فهرس الكتاب

الصفحة 3547 من 4314

و لم يكن تأييد داود (عليه السلام) في أصل جعله تعالى للجبال والطير تسبيحا فإن كل شيء مسبح لله سبحانه قال تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم:"الإسراء: - 44 بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه وقرع تسبيحها أسماع الناس وقد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده"الآية وأنه بلسان القال دون لسان الحال.

قوله تعالى:"و شددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب"قال الراغب: الشد العقد القوي يقال شددت الشيء قويت عقده.

انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية والمراد به تقوية الملك وتحكيم أساسه بالهيبة والجنود والخزائن وحسن التدبير وسائر ما يتقوى به الملك.

والحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم والمراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الإنسان وتكمله ، وقيل: المراد النبوة ، وقيل الزبور وعلم الشرائع ، وقيل غير ذلك وهي وجوه ردية.

وفصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره وتمييز حقه من باطله وينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم.

وقيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلا ولا بإطنابه مملا ، وقيل: فصل الخطاب قول أما بعد فهو (عليه السلام) أول من قال: أما بعد ، والآية التالية"و هل أتاك نبؤا الخصم"إلخ تؤيد ما قدمناه.

قوله تعالى:"و هل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب"الخصم مصدر كالخصومة أريد به القوم الذي استقر فيهم الخصومة ، والتسور الارتقاء إلى أعلى السور وهو الحائط الرفيع كالتسنم بمعنى الارتقاء إلى سنام البعير والتذري بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبل ، وقد فسر المحراب بالغرفة والعلية ، والاستفهام للتعجيب والتشويق إلى استماع الخبر.

والمعنى هل أتاك يا محمد خبر القوم المتخاصمين إذ علوا سور المحراب محراب داود (عليه السلام) .

قوله تعالى:"إذ دخلوا على داود ففزع منهم"إلى آخر الآية لفظة"إذ"هذه ظرف لقوله:"تسوروا"كما أن"إذ"الأولى ظرف لقوله:"نبؤا الخصم"ومحصل المعنى أنهم دخلوا على داود وهو في محرابه لا من الطريق العادي بل بتسوره بالارتقاء إلى سوره والورود عليه منه ولذا فزع منهم لما رآهم دخلوا عليه من غير الطريق العادي وبغير إذن.

وقوله:"ففزع منهم"قال الراغب: الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه.

انتهى.

وقد تقدم أن الخشية تأثير القلب بحيث يستتبع الاضطراب والقلق وهي رذيلة مذمومة إلا الخشية من الله سبحانه ولذا كان الأنبياء (عليهم السلام) لا يخشون غيره قال تعالى:"و لا يخشون أحدا إلا الله:"الأحزاب: - 39.

وأن الخوف هو التأثير عن المكروه في مقام العمل بتهيئة ما يتحرز به من الشر ويدفع به المكروه لا في مقام الإدراك فليس برذيلة مذمومة لذاته بل هو حسن فيما يحسن الاتقاء قال تعالى خطابا لرسوله:"و إما تخافن من قوم خيانة:"الأنفال: - 58.

وإذا كان الفزع هو الانقباض والنفار الحاصل من الشيء المخوف كان أمرا راجعا إلى مقام العمل دون الإدراك فلم يكن رذيلة بذاته بل كان فضيلة عند تحقق مكروه ينبغي التحرز منه فلا ضير في نسبته إلى داود (عليه السلام) في قوله:"ففزع منهم"وهو من الأنبياء الذين لا يخشون إلا الله.

وقوله:"قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض"لما رأوا ما عليه داود (عليه السلام) من الفزع أرادوا تطييب نفسه وإسكان روعه فقالوا:"لا تخف"وهو نهي عن الفزع بالنهي عن سببه الذي هو الخوف"خصمان بغى"إلخ أي نحن خصمان أي فريقان متخاصمان تجاوز بعضنا ظلما على بعض.

وقوله:"فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط"إلخ الشطط الجور أي فاحكم بيننا حكما مصاحبا للحق ولا تجر في حكمك ودلنا على وسط العدل من الطريق.

قوله تعالى:"إن هذا أخي"إلى آخر الآية بيان لخصومتهم وقوله:"إن هذا أخي"كلام لواحد من أحد الفريقين يشير إلى آخر من الفريق الآخر بأن هذا أخ له"إلخ."

وبهذا يظهر فساد ما استدل بعضهم بالآية على أن أقل الجمع اثنان لظهور قوله:"إذ تسوروا""إذ دخلوا"في كونهم جمعا ودلالة قوله:"خصمان""هذا أخي"على الاثنينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت