فهرس الكتاب

الصفحة 3564 من 4314

و قوله:"رب السموات والأرض وما بينهما"يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في الألوهية وذلك أن نظام التدبير الجاري في العالم برمته نظام واحد متصل غير متبعض ولا متجز وهو آية وحدة المدبر ، وقد تقدم كرارا أن الخلق والتدبير لا ينفكان فالتدبير خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه والخالق الموجد للسماوات والأرض وما بينهما هو الله سبحانه - حتى عند الخصم - فهو تعالى ربها المدبر لها جميعا فهو وحده الإله الذي يجب أن يقصد بالعبادة لأن العبادة تمثيل عبودية العابد ومملوكيته تجاه مولوية المعبود ومالكيته وتصرفه في العابد بإفاضة النعمة ودفع النقمة فهو سبحانه الإله في السماوات والأرض وما بينهما لا إله غيره.

فافهم ذلك.

ويمكن أن يكون قوله:"رب السموات والأرض وما بينهما"بيانا لقوله"القهار"أو"الواحد القهار".

وقوله:"العزيز الغفار"يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في الألوهية وذلك أنه تعالى عزيز لا يغلبه شيء بإكراهه على ما لم يرد أو بمنعه عما أراد فهو العزيز على الإطلاق وغيره من شيء ذليل عنده قانت له والعبادة إظهار للمذلة ولا يستقيم إلا قبال العزة ولا عزة لغيره تعالى إلا به.

وأيضا غاية العبادة وهي تمثيل العبودية التقرب إلى المعبود ورفع وصمة البعد عن العبد العابد وهو مغفرة الذنب والله سبحانه هو المستقل بالرحمة التي لا تنفد خزائنها وهو الذي يورد عباده العابدين له في الآخرة دار كرامته فهو الغفار الذي يجب أن يعبد طمعا في مغفرته.

ويمكن أن يكون قوله:"العزيز الغفار"تلويحا إلى وجه الدعوة إلى التوحيد أو وجوب الإيمان به المفهوم بحسب المقام من قوله:"و ما من إله إلا الله الواحد القهار"والمعنى أدعوكم إلى توحيده فآمنوا به لأنه العزيز الذي لا يشوبه ذلة الغفار للذنوب وهكذا يجب أن يكون الإله.

قوله تعالى:"قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون"مرجع الضمير ما ذكره من حديث الوحدانية في قوله:"و ما من إله إلا الله"إلخ.

وقيل: الضمير للقرآن فهو النبأ العظيم الذي أعرضوا عنه ، وهو أوفق لسياق الآيات السابقة المرتبطة بأمر القرآن ، وأوفق أيضا لقوله الآتي:"ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون"أي حتى أخبرني به القرآن ، وقيل: المراد به يوم القيامة وهو أبعد الوجوه.

قوله تعالى:"ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون"الملأ الأعلى جماعة الملائكة وكأن المراد باختصامهم ما أشار تعالى إليه بقوله:"إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"إلى آخر الآيات.

وكأن المعنى إني ما كنت أعلم اختصام الملإ الأعلى حتى أوحى الله إلي ذلك في كتابه فإنما أنا منذر أتبع الوحي.

قوله تعالى:"إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين"تأكيد لقوله:"إنما أنا منذر"وبمنزلة التعليل لقوله:"ما كان لي من علم بالملإ الأعلى"والمعنى لم أكن أعلم ذلك لأن علمي ليس من قبل نفسي وإنما هو بالوحي وليس يوحى إلي إلا ما يتعلق بالإنذار.

قوله تعالى:"إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين"الذي يعطيه السياق أن الآية وما بعدها ليست تتمة لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"إنما أنا منذر"إلخ والشاهد عليه قوله:"ربك"فهو من كلامه تعالى يشير إلى زمان اختصام الملإ الأعلى والظرف متعلق بما تعلق به قوله:"إذ يختصمون"أو متعلق بمحذوف والتقدير"اذكر إذ قال ربك للملائكة"إلخ فإن قوله تعالى للملائكة:"إني جاعل في الأرض خليفة"وقوله لهم:"إني خالق بشرا من طين"متقارنان وقعا في ظرف واحد.

وعلى هذا يؤول معنى قوله:"إذ قال ربك"إلخ إلى نحو من قولنا: اذكر وقتئذ قال ربك كذا وكذا فهو وقت اختصامهم.

وجعل بعضهم قوله:"إذ قال ربك"إلخ مفسرا لقوله:"إذ يختصمون"ثم أخذ الاختصام بعد تفسيره بالتقاول مجموع قوله تعالى للملائكة"إني جاعل في الأرض خليفة"وقولهم:"أ تجعل"إلخ ، وقوله لآدم وقول آدم لهم ، وقوله تعالى لهم: إني خالق بشرا"وقول إبليس وقوله تعالى له."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت