فهرس الكتاب

الصفحة 3577 من 4314

قوله تعالى:"قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم"المراد بمعصية ربه بشهادة السياق مخالفة أمره بعبادته مخلصا له الدين ، وباليوم العظيم يوم القيامة والآية كالتوطئة لمضمون الآية التالية.

قوله تعالى:"قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه"تصريح بأنه ممتثل لأمر ربه مطيع له بعد التكنية عنه في الآية السابقة ، وإياس لهم أن يطمعوا فيه أن يخالف أمر ربه.

وتقديم المفعول في قوله:"قل الله أعبد"يفيد الحصر ، وقوله:"مخلصا له ديني"يؤكد معنى الحصر ، وقوله:"فاعبدوا ما شئتم من دونه"أمر تهديدي بمعنى أنهم لا ينفعهم ذلك فإنهم مصيبهم وبال إعراضهم عن عبادة الله بالإخلاص كما يشير إليه ذيل الآية"قل إن الخاسرين"إلخ.

قوله تعالى:"قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة"إلخ الخسر والخسران ذهاب رأس المال إما كلا أو بعضا والخسران أبلغ من الخسر ، وخسران النفس هو إيرادها مورد الهلكة والشقاء بحيث يبطل منها استعداد الكمال فيفوتها السعادة بحيث لا يطمع فيها وكذا خسارة الأهل.

وفي الآية تعريض للمشركين المخاطبين بقوله:"فاعبدوا ما شئتم من دونه"كأنه يقول: فأيا ما عبدتم فإنكم تخسرون أنفسكم بإيرادها بالكفر مورد الهلكة وأهليكم وهم خاصتكم بحملهم على الكفر والشرك وهي الخسران بالحقيقة.

وقوله:"ألا ذلك هو الخسران المبين"وذلك لأن الخسران المتعلق بالدنيا - وهو الخسران في مال أو جاه - سريع الزوال منقطع الآخر بخلاف خسران يوم القيامة الدائم الخالد فإنه لا زوال له ولا انقطاع.

على أن المال أو الجاه إذا زال بالخسران أمكن أن يخلفه آخر مثله أو خير منه بخلاف النفس إذا خسرت.

هذا على تقدير كون المراد بالأهل خاصة الإنسان في الدنيا ، وقيل: المراد بالأهل من أعده الله في الجنة للإنسان لو آمن واتقى من أزواج وخدم وغيرهم وهو أوجه وأنسب للمقام فإن النسب وكل رابطة من الروابط الدنيوية الاجتماعية مقطوعة يوم القيامة قال تعالى:"فلا أنساب بينهم يومئذ:"المؤمنون: - 101 وقال:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا:"الانفطار: - 19 إلى غير ذلك من الآيات.

ويؤيده أيضا قوله تعالى:"فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا:"الانشقاق: - 9.

قوله تعالى:"لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل"إلخ الظلل جمع ظلة وهي - كما قيل - الستر العالي.

والمراد بكونها من فوقهم ومن تحتهم إحاطتها بهم فإن المعهود من النار الجهتان والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى"قال الراغب: الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله ، ويستعمل في الواحد والجمع.

انتهى ، والظاهر أن المراد بها في الآية الأوثان وكل معبود طاغ من دون الله.

ولم يقتصر على مجرد اجتناب عبادة الطاغوت بل أضاف إليه قوله:"و أنابوا إلى الله"إشارة إلى أن مجرد النفي لا يجدي شيئا بل الذي ينفع الإنسان مجموع النفي والإثبات ، عبادة الله وترك عبادة غيره وهو عبادته مخلصا له الدين.

وقوله:"لهم البشرى"إنشاء بشرى وخبر لقوله:"و الذين اجتنبوا"إلخ.

قوله تعالى:"فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"إلى آخر الآية كان مقتضى الظاهر أن يقال: فبشرهم غير أنه قيل: فبشر عباد وأضيف إلى ضمير التكلم لتشريفهم به ولتوصيفهم بقوله:"الذين يستمعون القول"إلخ.

والمراد بالقول بقرينة ما ذكر من الاتباع ما له نوع ارتباط ومساس بالعمل فأحسن القول أرشده في إصابة الحق وأنصحه للإنسان ، والإنسان إذا كان ممن يحب الحسن وينجذب إلى الجمال كان كلما زاد الحسن زاد انجذابا فإذا وجد قبيحا وحسنا مال إلى الحسن ، وإذا وجد حسنا وأحسن قصد ما هو أحسن ، وأما لو لم يمل إلى الأحسن وانجمد على الحسن كشف ذلك عن أنه لا ينجذب إليه من حيث حسنه وإلا زاد الانجذاب بزيادة الحسن.

فتوصيفهم باتباع أحسن القول معناه أنهم مطبوعون على طلب الحق وإرادة الرشد وإصابة الواقع فكلما دار الأمر بين الحق والباطل والرشد والغي اتبعوا الحق والرشد وتركوا الباطل والغي وكلما دار الأمر بين الحق والأحق والرشد وما هو أكثر رشدا أخذوا بالأحق الأرشد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت