فهرس الكتاب

الصفحة 3594 من 4314

و لعل المراد من أحسن ما أنزل الخطابات التي تشير إلى طريق استعمال حق العبودية في امتثال الخطابات الإلهية الاعتقادية والعملية وذلك كالخطابات الداعية إلى ذكر الله تعالى بالاستغراق وإلى حبه وإلى تقواه حق تقاته وإلى إخلاص الدين له فإن اتباع هذه الخطابات يحيي الإنسان حياة طيبة وينفخ فيه روح الإيمان ويصلح أعماله ويدخله في ولاية الله تعالى وهي الكرامة ليست فوقها كرامة.

وقوله:"من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون"أنسب لهذا المعنى فإن الدعوة إلى عمل بالتخويف من مفاجأة الحرمان ومباغتة المانع إنما تكون غالبا فيما يساهل المدعو في أمره ويطيب نفسه بسوف ولعل ، وهذا المعنى أمس بإصلاح الباطن منه بإصلاح الظاهر والإتيان بأجساد الأعمال ، ويقرب منه قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه:"الأنفال: - 24.

قوله تعالى:"أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله"إلخ قال في المجمع ،: التفريط إهمال ما يجب أن يتقدم فيه حتى يفوت وقته ، وقال: التحسر الاغتمام مما فات وقته لانحساره عنه بما لا يمكن استدراكه.

انتهى.

وقال الراغب: الجنب الجارحة.

قال: ثم يستعار في الناحية التي تليها لعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال.

انتهى.

فجنب الله جانبه وناحيته وهي ما يرجع إليه تعالى مما يجب على العبد أن يعامله ومصداق ذلك أن يعبده وحده ولا يعصيه والتفريط في جنب الله التقصير في ذلك.

وقوله:"و إن كنت لمن الساخرين""إن"مخففة من الثقيلة ، والساخرين اسم فاعل من سخر بمعنى استهزأ.

ومعنى الآية إنما نخاطبكم بهذا الخطاب حذر أن تقول أو لئلا تقول نفس منكم يا حسرتا على ما قصرت في جانب الله وإني كنت من المستهزءين ، وموطن القول يوم القيامة.

قوله تعالى:"أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين"ضمير تقول للنفس ، والمراد بالهداية الإرشاد وإراءة الطريق ، والمعنى ظاهر وهو قطع للعذر.

قوله تعالى:"أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين"لو للتمني والكرة الرجعة ، والمعنى أو تقول نفس متمنية حين ترى العذاب يوم القيامة: ليت لي رجعة إلى الدنيا فأكون من المحسنين.

قوله تعالى:"بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين"رد لها وجواب لخصوص قولها ثانيا:"لو أن الله هداني لكنت من المتقين"ومواطن الجواب يوم القيامة كما أن موطن القول ذلك ولسياق الجواب شهادة عليه.

وقد فصل بين قولها وجوابه بقوله:"أو تقول حين ترى"إلخ ولم يجب إلا عن قولها:"لو أن الله هداني"إلخ.

والوجه في الفصل أن الأقوال الثلاثة المنقولة عنها مرتبة على ترتيب صدورها عن المجرمين يوم القيامة فإذا قامت القيامة ورأى المجرمون أن اليوم يوم الجزاء بالأعمال وقد فرطوا فيها وفاتهم وقتها تحسروا على ما فرطوا ونادوا بالحسرة على تفريطهم"يا حسرتا على ما فرطت"قال تعالى:"حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها:"الأنعام: - 31.

ثم إذا حوسبوا وأمر المتقون بدخول الجنة وقيل:"و امتازوا اليوم أيها المجرمون:"يس: - 59 تعللوا بقولهم:"لو أن الله هداني لكنت من المتقين".

ثم إذا أمروا بدخول النار فأوقفوا عليها ثم أدخلوا فيها تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليحسنوا فيها فيسعدوا"أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة"قال تعالى:"و لو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين:"الأنعام: - 27 ، وقال حاكيا عنهم:"ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون:"المؤمنون: - 107.

ثم لما نقل الأقوال على ما بينها من الترتيب أخذ في الجواب ولو أخر القول المجاب عنه حتى يتصل بالجواب أو قدم الجواب حتى يتصل به اختل النظم 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت