فهرس الكتاب

الصفحة 3609 من 4314

و قوله:"و من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم"عطف على موضع الضمير في قوله:"و أدخلهم"والمراد بالصلوح صلاحية دخول الجنة ، والمعنى وأدخل من صلح لدخول الجنة من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم جنات عدن.

ثم من المعلوم من سياق الآيات أن استغفارهم لعامة المؤمنين ، ومن المعلوم أيضا أنهم قسموهم قسمين اثنين قسموهم إلى الذين تابوا واتبعوا سبيل الله وقد وعدهم الله جنات عدن ، وإلى من صلح وقد جعلوا الطائفة الأولى متبوعين والثانية تابعين.

ويظهر منه أن الطائفة الأولى هم الكاملون في الإيمان والعمل على ما هو مقتضى حقيقة معنى قولهم:"الذين تابوا واتبعوا سبيلك"فذكروهم وسألوه أن يغفر لهم وينجز لهم ما وعدهم من جنات عدن ، والطائفة الثانية دون هؤلاء في المنزلة ممن لم يستكمل الإيمان والعمل من ناقص الإيمان ومستضعف وسيىء العمل من منسوبي الطائفة الأولى فذكروهم وسألوه تعالى أن يلحقهم بالطائفة الأولى الكاملين في جناتهم ويقيهم السيئات.

فالآية في معنى قوله تعالى:"و الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء:"الطور: - 21 غير أن الآية التي نحن فيها أوسع وأشمل لشمولها الآباء والأزواج بخلاف آية سورة الطور ، والمأخوذ فيها الصلوح وهو أعم من الإيمان المأخوذ في آية الطور.

وقوله:"إنك أنت العزيز الحكيم"تعليل لقولهم:"فاغفر للذين تابوا"إلى آخر مسألتهم ، وكان الذي يقتضيه الظاهر أن يقال: إنك أنت الغفور الرحيم لكنه عدل إلى ذكر الوصفين: العزيز الحكيم لأنه وقع في مفتتح مسألتهم الثناء عليه تعالى بقولهم:"ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما".

ولازم سعة الرحمة وهي عموم الإعطاء أن له أن يعطي ما يشاء لمن يشاء ويمنع ما يشاء ممن يشاء وهذا معنى العزة التي هي القدرة على الإعطاء والمنع ، ولازم سعة العلم لكل شيء أن ينفذ العلم في جميع أقطار الفعل فلا يداخل الجهل شيئا منها ولازمه إتقان الفعل وهو الحكمة.

فقوله:"إنك أنت العزيز الحكيم"في معنى الاستشفاع بسعة رحمته وسعة علمه تعالى المذكورتين في مفتتح المسألة تمهيدا وتوطئة لذكر الحاجة وهي المغفرة والجنة.

قوله تعالى:"و قهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته"إلخ ظاهر السياق أن الضمير في"قهم"للذين تابوا ومن صلح جميعا.

والمراد بالسيئات - على ما قيل - تبعات المعاصي وهي جزاؤها وسميت التبعات سيئات لأن جزاء السيىء سيىء قال تعالى:"و جزاء سيئة سيئة مثلها:"الشورى: - 40.

وقيل: المراد بالسيئات المعاصي والذنوب نفسها والكلام على تقدير مضاف والتقدير وقهم جزاء السيئات أو عذاب السيئات.

والظاهر أن الآية من الآيات الدالة على أن الجزاء بنفس الأعمال خيرها وشرها ، وقد تكرر في كلامه تعالى أمثال قوله:"إنما تجزون ما كنتم تعملون:"التحريم: - 7.

وكيف كان فالمراد بالسيئات التي سألوا وقايتهم عنها هي الأهوال والشدائد التي تواجههم يوم القيامة غير عذاب الجحيم فلا تكرار في قوليهم:"و قهم عذاب الجحيم""و قهم السيئات".

وقيل: المراد بالسيئات نفس المعاصي التي في الدنيا ، وقولهم:"يومئذ"إشارة إلى الدنيا ، والمعنى واحفظهم من اقتراف المعاصي وارتكابها في الدنيا بتوفيقك.

وفيه أن السياق يؤيد كون المراد بيومئذ يوم القيامة كما يشهد به قولهم:"و قهم عذاب الجحيم"وقولهم:"و أدخلهم جنات عدن"إلخ فالحق أن المراد بالسيئات ما يظهر للناس يوم القيامة من الأهوال والشدائد.

ويظهر من هذه الآيات المشتملة على دعاء الملائكة ومسألتهم: أولا: أن من الأدب في الدعاء أن يبدأ بحمده والثناء عليه تعالى ثم يذكر الحاجة ثم يستشفع بأسمائه الحسنى المناسبة له.

وثانيا: أن سؤال المغفرة قبل سؤال الجنة وقد كثر ذكر المغفرة قبل الجنة في كلامه تعالى إذا ذكرا معا ، وهو الموافق للاعتبار فإن حصول استعداد أي نعمة كانت بزوال المانع قبل حصول نفس النعمة.

وذكر بعضهم أن في قوله:"فاغفر للذين تابوا"الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله تعالى إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت