فهرس الكتاب

الصفحة 3634 من 4314

قوله تعالى:"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم"إلخ ضمائر الجمع في الآية - وهي سبع - للذين من قبلهم ، والمراد بما عندهم من العلم ما وقع في قلوبهم وشغل نفوسهم من زينة الحياة الدنيا وفنون التدبير للظفر بها وبلوغ لذائذها وقد عد الله سبحانه ذلك علما لهم وقصر علمهم فيه ، قال تعالى:"يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون:"الروم: - 7 ، وقال:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم:"النجم: - 30.

والمراد بفرحهم بما عندهم من العلم شدة إعجابهم بما كسبوه من الخبرة والعلم الظاهري وانجذابهم إليه الموجب لإعراضهم عن المعارف الحقيقية التي جاءت بها رسلهم ، واستهانتهم بها وسخريتهم لها ، ولذا عقب فرحهم بما عندهم من العلم بقوله:"و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون".

وفي معنى قوله:"فرحوا بما عندهم من العلم"أقوال أخر: منها: أن المراد بما عندهم من العلم عقائدهم الفاسدة وآراؤهم الباطلة وتسميتها علما للتهكم فهم كانوا يفرحون بها ويستحقرون لذلك علم الرسل ، وأنت خبير بأنه تصوير من غير دليل.

ومنها: أن المراد بالعلم هو علوم الفلاسفة من اليونان والدهريين فكانوا إذا سمعوا بالوحي ومعارف النبوة صغروا علم الأنبياء وتبجحوا بما عندهم ، وهو كسابقه على أنه لا ينطبق على أحد من الأمم التي قص القرآن قصتهم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب وغيرهم.

ومنها: أن أصل المعنى فلما جاءتهم رسلهم بالبينات لم يفرحوا بما جاءهم من العلم فوضع موضعه فرحوا بما عندهم من الجهل ثم بدل الجهل علما تهكما فقيل: فرحوا بما عندهم من العلم ، وهذا الوجه - على ما فيه من التكلف والبعد من الفهم - يرد عليه ما يرد على الأول.

ومنها: أن ضمير فرحوا للكفار وضمير"عندهم"للرسل ، والمعنى فرح الكفار بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء وفيه أن لازمه اختلاف الضمائر المتسقة مضافا إلى أن الضحك والاستهزاء لا يسمى فرحا ولا قرينة.

ومنها: أن ضميري"فرحوا بما عندهم"للرسل ، والمعنى أن الرسل لما جاءوهم وشاهدوا ما هم فيه من الجهل والتمادي على الكفر والجحود وعلموا عاقبة أمرهم فرحوا بما عندهم من العلم الحق وشكروا الله على ذلك.

وفيه أن سياق الآيات أصدق شاهد على أنها سيقت لبيان حال الكفار بعد إتيان رسلهم بالبينات وكيف آلت إلى نزول العذاب ولم ينفعهم الإيمان بعد مشاهدة البأس؟ وأي ارتباط له بفرح الرسل بعلومهم الحقة؟ على أن لازمه أيضا اختلاف الضمائر.

قوله تعالى:"فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين"البأس شدة العذاب ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا"إلخ وذلك لعدم استناد الإيمان حينئذ إلى الاختيار ، وقوله:"سنة الله التي قد خلت في عباده"أي سنها الله سنة ماضية في عباده أن لا تقبل توبة بعد رؤية البأس"و خسر هنالك الكافرون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت