و الروايات لا تخلو من شيء: أما أولا: فمن جهة اشتمالها على تصديق اليهود ما ذكر فيها من ترتيب الخلق وهو مخالف لما ورد في أول سفر التكوين من التوراة مخالفة صريحة ففيها أنه خلق النور والظلمة - النهار والليل - يوم الأحد ، وخلق السماء يوم الإثنين ، وخلق الأرض والبحار والنبات يوم الثلاثاء وخلق الشمس والقمر والنجوم يوم الأربعاء وخلق دواب البحر والطير يوم الخميس ، وخلق حيوان البر والإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت واستراح فيه ، والقول بأن التوراة الحاضرة غير ما كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ترى.
وأما ثانيا: فلأن اليوم من الأسبوع وهو نهار مع ليلته يتوقف في كينونته على حركة الأرض الوضعية دورة واحدة قبال الشمس فما معنى خلق الأرض في يومين ولم يخلق السماء والسماويات بعد ولا تمت الأرض كرة متحركة؟ ونظير الإشكال جار في خلق السماء والسماويات ومنها الشمس ولا يوم حيث لا شمس بعد.
وأما ثالثا: فلأنه عد فيها يوم لخلق الجبال وقد جزم الفحص العلمي بأنها تخلق تدريجا ، ونظير الإشكال جار في خلق المدائن والأنهار والأقوات.
وفي روضة الكافي ، بإسناده عن محمد بن عطية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه ، وخلق الريح من الماء. ثم سلط الريح على الماء فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقية ليس فيها صدع ولا ثقب ولا صعود ولا هبوط ولا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء. ثم خلق الله النار من الماء فشققت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء الله أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع ولا ثقب وذلك قوله:"السماء بناها".
أقول: وفي هذه المعنى بعض روايات أخر ، ويمكن تطبيق ما في الرواية وكذا مضامين الآيات على ما تسلمته الأبحاث العلمية اليوم في خلق العالم وهيئته غير أنا تركنا ذلك احترازا من تحديد الحقائق القرآنية بالأحداس والفرضيات العلمية ما دامت فرضية غير مقطوع بها من طريق البرهان العلمي.
وفي نهج البلاغة ،: فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد قائمات بلا سند ، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات ، ولو لا إقرارهن له بالربوبية ، وإذعانهن له بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ، ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه.
وفي كمال الدين ، بإسناده إلى فضيل الرسان قال: كتب محمد بن إبراهيم إلى أبي عبد الله (عليه السلام) : أخبرنا ما فضلكم أهل البيت؟ فكتب إليه أبو عبد الله (عليه السلام) : إن الكواكب جعلت أمانا لأهل السماء فإذا ذهبت نجوم السماء جاء أهل السماء ما كانوا يوعدون ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : جعل أهل بيتي أمانا لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي جاء أمتي ما كانوا يوعدون.
أقول: وورد هذا المعنى في غير واحد من الروايات.
وفي البحار ، عن كتاب الغارات بإسناده عن ابن نباتة قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) كم بين السماء والأرض؟ قال: مد البصر ودعوة المظلوم.
أقول: وهو من لطائف كلامه (عليه السلام) يشير به إلى ظاهر السماء وباطنها كما تقدم.