قوله تعالى:"و لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة"إلى آخر الآية لما كانت الآية مسوقة لبيان لزوم الإنذار والنبوة من جهة تفرق الناس فريقين يوم القيامة كان الأسبق إلى الذهن من جعلهم أمة واحدة مطلق رفع التفرق والتميز من بينهم بتسويتهم جميعا على صفة واحدة من غير فرق وميز ، ولم تقع عند ذلك حاجة إلى النبوة والإنذار.
وقوله:"و لكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير"استدراك يبين فيه أن سنته تعالى جرت على التفريق ولم يشأ جعلهم أمة واحدة يدل على ذلك قوله:"يدخل من يشاء"الدال على الاستمرار ، ولم يقل: ولكن أدخل ونحوه.
وقد قوبل في الآية قوله:"من يشاء"بقوله:"و الظالمون"فالمراد بمن يشاء غير الظالمين وقد فسر الظالمين يوم القيامة بقوله:"فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون": الأعراف: 45 فهم المعاندون المنكرون للمعاد.
وقوبل أيضا بين الإدخال في الرحمة وبين نفي الولي والنصير فالمدخلون في رحمته هم الذين وليهم الله ، والذين ما لهم من ولي ولا نصير هم الذين لا يدخلهم الله في رحمته ، وأيضا الرحمة هي الجنة وانتفاء الولاية والنصرة يلازم السعير.
فمحمل معنى الآية: أن الله سبحانه إنما قدر النبوة والإنذار المتفرع على الوحي لمكان ما سيعتريهم يوم القيامة من التفرق فريقين ، ليتحرزوا من الدخول في فريق السعير.
ولو أراد الله لجعلهم أمة واحدة فاستوت حالهم ولم يتفرقوا يوم القيامة فريقين فلم يكن عند ذلك ما تقتضي النبوة والإنذار فلم يكن وحي لكنه تعالى لم يرد ذلك بل جرت سنته على أن يتولى أمر قوم منهم وهم غير الظالمين فيدخلهم الجنة وفي رحمته ، ولا يتولى أمر آخرين وهم الظالمون فيكونوا لا ولي لهم ولا نصير ويصيروا إلى السعير لا مخلص لهم من النار.
فقد تحصل مما تقدم أن المراد بجعلهم أمة واحدة هو التسوية بينهم بإدخال الجميع في الجنة وإدخال الجميع في السعير أي أنه تعالى ليس بملزم بإدخال السعداء في الجنة والأشقياء في النار فلو لم يشأ لم يفعل لكنه شاء أن يفرق بين الفريقين وجرت سنته على ذلك ووعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد ومع ذلك فقدرته المطلقة باقية على حالها لم تنسلب ولم تتغير فقوله:"و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه"إلى تمام الآيتين في معنى قوله في سورة هود:"إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس"إلى تمام سبع آيات فراجع وتدبر.
وقيل: المراد بجعلهم أمة واحدة جعلهم مؤمنين جميعا داخلين في الجنة ، قال في الكشاف: والمعنى ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان ولكنه شاء مشيئة حكمة فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بمن يشاء أ لا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين ، ويترك الظالمين بغير ولي ولا نصير في عذابه.
واستدل على ما اختاره من المعنى بقوله تعالى:"و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها": الم السجدة: 13 وقوله:"و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا": يونس: 99 والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان قوله:"أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".
وفيه أن الآيات - كما عرفت مسوقة لتعريف الوحي من حيث غايته وأن تفرق في الناس يوم الجمع: فريقين سبب يستدعي وجود النبوة والإنذار من طريق الوحي ، وقوله:"و لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة"مسوق لبيان أنه تعالى ليس بمجبر على ذلك ولا ملزم به بل له أن لا يفعل ، وهذا المعنى يتم بمجرد أن لا يجعلهم متفرقين فريقين بل أمة واحدة كيفما كانوا ، وأما كونهم فرقة واحدة مؤمنة بالخصوص فلا مقتضى له هناك.
وأما ما استدل به من الآيتين فسياقهما غير سياق الآية المبحوث عنها ، والمراد بهما غير الإيمان القسري الذي ذكره وقد تقدم البحث عنهما في الكتاب.