و إنما وصف الملائكة بقوله:"الذين هم عباد الرحمن"ردا لقولهم بأنوثتهم لأن الإناث لا يطلق عليهن العباد ، ولا يلزم منه اتصافهم بالذكورة بالمعنى الذي يتصف به الحيوان فإن الذكورة والأنوثة اللتين في الحيوان من لوازم وجوده المادي المجهز للتناسل وتوليد المثل ، والملائكة في معزل من ذلك.
وقوله:"أ شهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون"رد لدعواهم الأنوثة في الملائكة بأن الطريق إلى العلم بذلك الحس وهم لم يروهم حتى يعلموا بها فلم يكونوا حاضرين عند خلقهم حتى يشاهدوا منهم ذلك.
فقوله:"أ شهدوا خلقهم إلخ"استفهام إنكاري ووعيد على قولهم بغير علم أي لم يشهدوا خلقهم وستكتب في صحائف أعمالهم هذه الشهادة عليهم ويسألون عنه يوم القيامة.
قوله تعالى:"و قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون"حجة عقلية داحضة محكية عنهم يمكن أن تقرر تارة لإثبات صحة عبادة الشركاء بأن يقال: لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ما عبدناهم ضرورة لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم فهو لم يشأ ذلك وعدم مشيته عدم عبادتهم إذن في عبادتهم فلا منع من قبله تعالى عن عبادة الشركاء والملائكة منهم ، وهذا المعنى هو المنساق إلى الذهن من قوله في سورة الأنعام:"سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء": الأنعام: 148 ، على ما يعطيه السياق ما قبله وما بعده.
وتقرر تارة لإبطال النبوة القائلة إن الله يوجب عليكم كذا وكذا ويحرم عليكم كذا كذا بأن يقال لو شاء الله أن لا نعبد الشركاء ولا نحل ولا نحرم شيئا لم نعبد الشركاء ولم نضع من عندنا حكما لاستحالة تخلف مراده تعالى عن إرادته لكنا نعبدهم ونحل ونحرم أشياء فلم يشأ الله سبحانه منا شيئا ، فقول إن الله يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا وبالجملة أنه شاء كذا باطل.
وهذا المعنى هو الظاهر المستفاد من قوله تعالى في سورة النحل:"و قال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء": النحل: 35 ، بالنظر إلى السياق.
وقولهم في محكي الآية المبحوث عنها:"لو شاء الرحمن ما عبدناهم"على ما يفيده سياق الآيات السابقة واللاحقة مسوق للاحتجاج على المعنى الأول وهو تصحيح عبادتهم للملائكة فيكون في معنى آية سورة الأنعام وأخص منها.
وقوله:"ما لهم بذلك من علم"أي هو منهم قول مبني على الجهل فإنه مغالطة خلطوا فيها بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية وأخذ الأولى مكان الثانية ، فمقتضى الحجة أن لا إرادة تكوينية منه تعالى متعلقة بعدم عبادتهم الملائكة وانتفاء تعلق هذا النوع من الإرادة بعدم عبادتهم لهم لا يستلزم انتفاء تعلق الإرادة التشريعية به.
فهو سبحانه لما لم يشأ أن لا يعبدوا الشركاء بالإرادة التكوينية كانوا مختارين غير مضطرين على فعل أو ترك فأراد منهم بالإرادة التشريعية أن يوحدوه ولا يعبدوا الشركاء ، والإرادة التشريعية لا يستحيل تخلف المراد عنها لكونها اعتبارية غير حقيقية ، وإنما تستعمل في الشرائع والقوانين والتكاليف المولوية ، والحقيقة التي تبتني عليها هي اشتمال الفعل على مصلحة أو مفسدة.
وبما تقدم يظهر فساد ما قيل: إن حجتهم مبنية على مقدمتين: الأولى أن عبادتهم للملائكة بمشيته تعالى ، والثانية أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى وقد أصابوا في الأولى وأخطئوا في الثانية حيث جهلوا أن المشية عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضا والسخط في شيء من الطرفين.
وجه الفساد: أن مضمون الحجة عدم تعلق المشية على ترك العبادة وعدم تعلق المشية بالترك لا يستلزم تعلق المشية بالفعل بل لازمه الإذن الذي هو عدم المنع من الفعل.
ثم إن ظاهر كلامه قصر الإرداة في التكوينية وإهمال التشريعية التي عليها المدار في التكاليف المولوية وهو خطأ منه.
ويظهر أيضا فساد ما نسب إلى بعضهم أن المراد بقولهم:"لو شاء الرحمن ما عبدناهم"الاعتذار عن عبادة الملائكة بتعلق مشية الله بها مع الاعتراف بكونها قبيحة.
وذلك أنهم لم يكونوا مسلمين لقبح عبادة آلهتهم حتى يعتذروا عنها وقد حكي عنهم ذيلا قولهم:"إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون".