فهرس الكتاب

الصفحة 3776 من 4314

قوله تعالى:"ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم"إلخ ، تعليل لما في الآيتين السابقتين من إضلال أعمال الكفار وإصلاح حال المؤمنين مع تكفير سيئاتهم.

وفي تقييد الحق بقوله:"من ربهم"إشارة إلى أن المنتسب إليه تعالى هو الحق ولا نسبة للباطل إليه ولذلك تولى سبحانه إصلاح بال المؤمنين لما ينتسب إليه طريق الحق الذي اتبعوه ، وأما الكفار بأعمالهم فلا شأن له تعالى فيهم وأما انتساب ضلالهم إليه في قوله:"أضل أعمالهم"فمعنى إضلال أعمالهم عدم هدايته لها إلى غايات صالحة سعيدة.

وفي الآية إشارة إلى أن الملاك كل الملاك في سعادة الإنسان وشقائه اتباع الحق واتباع الباطل والسبب في ذلك انتساب الحق إليه تعالى دون الباطل.

وقوله:"كذلك يضرب الله للناس أمثالهم"أي يبين لهم أوصافهم على ما هي عليه ، وفي الإتيان باسم الإشارة الموضوعة للبعيد تفخيم لأمر ما ضربه من المثل.

قوله تعالى:"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"إلى آخر الآية ، تفريع على ما تقدم في الآيات الثلاث من وصف الفريقين كأنه قيل: إذا كان المؤمنون أهل الحق والله ينعم عليهم بما ينعم والكفار أهل الباطل والله يضل أعمالهم فعلى المؤمنين إذا لقوا الكفار أن يقتلوهم ويأسروهم ليحيا الحق الذي عليه المؤمنون وتطهر الأرض من الباطل الذي عليه الكفار.

فقوله:"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"المراد باللقاء اللقاء في القتال وضرب الرقاب مفعول مطلق قائم مقام فعله العامل فيه ، والتقدير: فاضربوا الرقاب - أي رقابهم - ضربا وضرب الرقبة كناية عن القتل بالسيف ، لأن أيسر القتل وأسرعه ضرب الرقبة به.

وقوله:"حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق"في المجمع: الإثخان إكثار القتل وغلبة العدو وقهرهم ومنه أثخنه المرض اشتد عليه وأثخنه الجراح.

انتهى.

وفي المفردات: وثقت به أثق ثقة سكنت إليه واعتمدت عليه ، وأوثقته شددته ، والوثاق - بفتح الواو - والوثاق - بكسر الواو - اسمان لما يوثق به الشيء.

انتهى.

و"حتى"غاية لضرب الرقاب ، والمعنى: فاقتلوهم حتى إذا أكثرتم القتل فيهم فأسروهم بشد الوثاق وإحكامه فالمراد بشد الوثاق الأسر فالآية في ترتب الأسر فيها على الإثخان في معنى قوله تعالى:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض": الأنفال: 67.

وقوله:"فإما منا بعد وإما فداء"أي فأسروهم ويتفرع عليه أنكم إما تمنون عليهم منا بعد الأسر فتطلقونهم أو تسترقونهم وإما تفدونهم فداء بالمال أو بمن لكم عندهم من الأسارى.

وقوله:"حتى تضع الحرب أوزارها"أوزار الحرب أثقالها وهي الأسلحة التي يحملها المحاربون والمراد به وضع المقاتلين وأهل الحرب أسلحتهم كناية عن انقضاء القتال.

وقد تبين بما تقدم من المعنى ما في قول بعضهم إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض": الأنفال: 67 ، لأن هذه السورة متأخرة نزولا عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها.

وذلك لعدم التدافع بين الآيتين فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإثخان والآية المبحوث عنها تأمر بالأسر بعد الإثخان.

وكذا ما قيل: إن قوله:"فشدوا الوثاق"إلخ ، منسوخ بآية السيف"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم": التوبة: 5 ، وكأنه مبني على كون العام الوارد بعد الخاص ناسخا له لا مخصصا به والحق خلافه وتمام البحث في الأصول ، وفي الآية أيضا مباحث فقهية محلها علم الفقه.

وقوله:"ذلك"أي الأمر ذلك أي إن حكم الله هو ما ذكر في الآية.

وقوله:"و لو يشاء الله لانتصر منهم"الضمير للكفار أي ولو شاء الله الانتقام منهم لانتقم منهم بإهلاكهم وتعذيبهم من غير أن يأمركم بقتالهم.

وقوله:"و لكن ليبلوا بعضكم ببعض"استدراك من مشية الانتصار أي ولكن لم ينتصر منهم بل أمركم بقتالهم ليمتحن بعضكم ببعض فيمتحن المؤمنين بالكفار يأمرهم بقتالهم ليظهر المطيعون من العاصين ويمتحن الكفار بالمؤمنين فيتميز أهل الشقاء منهم ممن يوفق للتوبة من الباطل والرجوع إلى الحق.

وقد ظهر بذلك أن قوله:"ليبلوا بعضكم ببعض"تعليل للحكم المذكورة في الآية والخطاب في"بعضكم"لمجموع المؤمنين والكفار ووجه الخطاب إلى المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت