فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 4314

قوله تعالى: حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، الطهارة وتقابلها النجاسة - من المعاني الدائرة في ملة الإسلام ذات أحكام وخواص مجعولة فيها تشتمل على شطر عظيم من المسائل الدينية ، وقد صار اللفظان بكثرة الاستعمال من الحقائق الشرعية أو المتشرعة على ما اصطلح عليه في فن الأصول.

وأصل الطهارة بحسب المعنى مما يعرفه الناس على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم ، ومن هنا يعلم أنها من المعاني التي يعرفها الإنسان في خلال حياته من غير اختصاص بقوم دون قوم أو عصر دون عصر.

فإن أساس الحياة مبني على التصرف في الماديات والبلوغ بها إلى مقاصد الحياة والاستفادة منها لمآرب العيش فالإنسان يقصد كل شيء بالطبع لما فيه من الفائدة والخاصية والجدوى ، ويرغب فيه لذلك ، وأوسع هذه الفوائد الفوائد المربوطة بالتغذي والتوليد.

وربما عرض للشيء عارض يوجب تغيره عما كان عليه من الصفات الموجبة لرغبة الطبع فيه ، وعمدة ذلك الطعم والرائحة واللون ، فأوجب ذلك تنفر الطبع وانسلاب رغبته عنه ، وهذا هو المسمى بالنجاسة وبها يستقذر الإنسان الشيء فيجتنبه ، وما يقابله وهو كون الشيء على حاله الأولى من الفائدة والجدوى الذي به يرغب فيه الطبع هو الطهارة ، فالطهارة والنجاسة وصفان وجوديان في الأشياء من حيث وجدانها صفة توجب الرغبة فيها ، أو صفة توجب كراهتها واستقذارها.

وقد كان أول ما تنبه الإنسان بهذين المعنيين انتقل بهما في المحسوسات ثم أخذ في تعميمها للأمور المعقولة غير المحسوسة لوجود أصل معنى الرغبة والنفرة فيها كالأنساب والأفعال والأخلاق والعقائد والأقوال.

هذا ملخص القول في معنى الطهارة والنجاسة عند الناس ، وأما النظافة والنزاهة والقدس والسبحان فألفاظ قريبة المعنى من الطهارة غير أن النظافة هي الطهارة العائدة إلى الشيء بعد قذارة سابقة ويختص استعمالها بالمحسوسات ، والنزاهة أصلها البعد ، وأصل إطلاقها على الطهارة من باب الاستعارة ، والقدس والسبحان يختصان بالمعقولات والمعنويات ، وأما القذارة والرجس فلفظان قريبا المعنى من النجاسة ، لكن الأصل في القذارة معنى البعد ، يقال: ناقة قذور تترك ناحية من الإبل وتستبعد ويقال: رجل قاذورة لا يخال الناس لسوء خلقه ولا ينازلهم ، ورجل مقذر بالفتح يجتنبه الناس ، ويقال: قذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته ، وعلى هذا يكون أصل استعمال القذارة بمعنى النجاسة من باب الاستعارة لاستلزام نجاسة الشيء تبعد الإنسان عنه ، وكذلك الرجس والرجز بكسر الراء ، وكان الأصل في معناه الهول والوحشة فدلالته على النجاسة استعارية.

وقد اعتبر الإسلام معنى الطهارة والنجاسة ، وعممهما في المحسوس والمعقول ، وطردهما في المعارف الكلية ، وفي القوانين الموضوعة ، قال تعالى:"و لا تقربوهن حتى يطهرن"الآية ، وهو النقاء من الحيض وانقطاع الدم ، وقال تعالى:"و ثيابك فطهر:"المدثر - 4 ، وقال تعالى:"و لكن يريد ليطهركم:"المائدة - 6 ، وقال تعالى:"أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم:"المائدة - 41 ، وقال تعالى: ، لا يمسه إلا المطهرون:"الواقعة - 79."

وقد عدت الشريعة الإسلامية عدة أشياء نجسة كالدم والبول والغائط والمني من الإنسان وبعض الحيوان والميتة والخنزير أعيانا نجسة ، وحكم بوجوب الاجتناب عنها في الصلاة وفي الأكل وفي الشرب ، وقد عد من الطهارة أمورا كالطهارة الخبثية المزيلة للنجاسة الحاصلة بملاقات الأعيان النجسة ، وكالطهارة الحدثية المزيلة للحدث الحاصلة بالوضوء والغسل على الطرق المقررة شرعا المشروحة في كتب الفقه.

وقد مر بيان أن الإسلام دين التوحيد فهو يرجع الفروع إلى أصل واحد هو التوحيد ، وينشر الأصل الواحد في فروعه.

ومن هنا يظهر: أن أصل التوحيد هي الطهارة الكبرى عند الله سبحانه ، وبعد هذه الطهارة بقية المعارف الكلية طهارات للإنسان ، وبعد ذلك أصول الأخلاق الفاضلة ، وبعد ذلك الأحكام الموضوعة لصلاح الدنيا والآخرة ، وعلى هذا الأصل تنطبق الآيات السابقة المذكورة آنفا كقوله تعالى:"يريد ليطهركم:"المائدة - 6 ، وقوله تعالى:"و يطهركم تطهيرا:"الأحزاب - 33 ، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في معنى الطهارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت