فهرس الكتاب

الصفحة 3817 من 4314

و قوله:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما"ضمير"منهم"للذين معه ، و"من"للتبعيض على ما هو الظاهر المتبادر من مثل هذا النظم ويفيد الكلام اشتراط المغفرة والأجر العظيم بالإيمان حدوثا وبقاء وعمل الصالحات فلو كان منهم من لم يؤمن أصلا كالمنافقين الذين لم يعرفوا بالنفاق كما يشير إليه قوله تعالى:"و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم": التوبة: 101 ، أو آمن أولا ثم أشرك وكفر كما في قوله:"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى - إلى أن قال - ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم": سورة محمد: 30.

أو آمن ولم يعمل الصالحات كما يستفاد من آيات الإفك وآية التبين في نبأ الفاسق وأمثال ذلك لم يشمله وعد المغفرة والأجر العظيم.

ونظير هذا الاشتراط ما تقدم في قوله تعالى:"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما"ويؤيده أيضا ما فهمه ابن عباس من قوله تعالى:"فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم"حيث فسره بقوله: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء ، وقد تقدمت الرواية.

ونظير الآية أيضا في الاشتراط قوله تعالى:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض - إلى أن قال - ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون": النور: 55.

وقيل: إن"من"في الآية بيانية لا تبعيضية فتفيد شمول الوعد لجميع الذين معه.

وهو مدفوع - كما قيل - بأن"من"البيانية لا تدخل على الضمير مطلقا في كلامهم ، والاستشهاد لذلك بقوله تعالى:"لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم"مبني على إرجاع ضمير"تزيلوا"إلى المؤمنين وضمير"منهم"للذين كفروا ، وقد تقدم في تفسير الآية أن الضميرين جميعا راجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون"من"تبعيضية لا بيانية.

وبعد ذلك كله لو كانت العدة بالمغفرة أو نفس المغفرة شملتهم شمولا مطلقا من غير اشتراط بالإيمان والعمل الصالح وكانوا مغفورين - آمنوا أو أشركوا وأصلحوا أو فسقوا - لزمته لزوما بينا لغوية جميع التكاليف الدينية في حقهم وارتفاعها عنهم وهذا مما يدفعه الكتاب والسنة فهذا الاشتراط ثابت في نفسه وإن لم يتعرض له في اللفظ ، وقد قال تعالى في أنبيائه:"و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون": الأنعام: 88 ، فأثبته في أنبيائه وهم معصومون فكيف فيمن هو دونهم.

فإن قيل: اشتراط الوعد بالمغفرة والأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح اشتراط عقلي كما ذكر ولا سبيل إلى إنكاره لكن سياق قوله:"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم"يشهد باتصافهم بالإيمان وعمل الصالحات وأنهم واجدون للشرط.

وخاصة بالنظر إلى تأخير"منهم"عن قوله:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"حيث يدل على أن عمل الصالحات لا ينفك عنهم بخلاف قوله في آية النور:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم": النور: 55 ، كما ذكره بعضهم ، ويؤيده أيضا قوله في مدحهم"تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا"حيث يدل على الاستمرار.

قلنا: أما تأخير"منهم"في الآية فليس للدلالة على كون العمل الصالح لا ينفك عنهم بل لأن موضوع الحكم هو مجموع"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"ولا يترتب على مجرد الإيمان من دون العمل الصالح أثر المغفرة والأجر ثم قوله:"منهم"متعلق بمجموع الموضوع فمن حقه أن يذكر بعد تمام الموضوع وهو"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، وأما تقدم الضمير في قوله:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم"فلانة مسوق سوق البشرى للمؤمنين والأنسب لها التسريع في خطاب من بشر بها لينشط بذلك وينبسط لتلقي البشرى.

وأما دلالة قوله:"تراهم ركعا سجدا"إلخ ، على الاستمرار فإنما يدل عليه في ما مضى إلى أن ينتهي إلى الحال ، وأما في المستقبل فلا ومصب إشكال لغوية الأحكام إنما هو المستقبل دون الماضي إذ مغفرة الذنوب الماضية لا تزاحم تعلق التكليف بل تؤكده بخلاف تعلق المغفرة المطلقة بما سيأتي فإنه لا يجامع بقاء التكليف المولوي على اعتباره فيرتفع بذلك التكاليف وهو مقطوع البطلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت