فهرس الكتاب

الصفحة 3823 من 4314

فالخبر إن كان متواترا أو محفوفا بقرائن قطعية توجب قطعية مضمونه كان حجة معتبرة من غير توقف فيها فإن لم يكن متواترا ولا محفوفا بما يفيد قطعية مضمونه وهو المسمى بخبر الواحد اصطلاحا كان المعتبر منه عندهم ما هو الموثوق به بحسب نوعه وإن لم يفده بحسب شخصه ، وكل ذلك لأنهم لا يعملون إلا بما يرونه علما وهو العلم الحقيقي أو الوثوق والظن الاطمئناني المعدود علما عادة.

إذا تمهد هذا فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتبين في خبر الفاسق:"أن تصيبوا قوما بجهالة"إلخ ، يفيد أن المأمور به هو رفع الجهالة وحصول العلم بمضمون الخبر عند ما يراد العمل به وترتيب الأثر عليه ففي الآية إثبات ما أثبته العقلاء ونفي ما نفوه في هذا الباب ، وهو إمضاء لا تأسيس.

قوله تعالى:"و اعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم"إلخ ، العنت الإثم والهلاك ، والطوع والطاعة الانقياد لكن أكثر ما يقال الطاعة في الائتمار لما أمر والارتسام لما رسم على ما ذكره الراغب لكن ربما يعكس الأمر فيسمى جري المتبوع على ما يريده التابع ويهواه طاعة من المتبوع للتابع ومنه قوله تعالى في الآية:"لو يطيعكم"حيث سمي عمل الرسول على ما يراه ويهواه المؤمنون طاعة منه لهم.

والآية على ما يفيده السياق من تتمة الكلام في الآية السابقة تعمم ما فيها من الحكم وتؤكد ما فيها من التعليل فمضمون الآية السابقة الحكم بوجوب التبين في خبر الفاسق وتعليله بوجوب التحرز عن بناء العمل على الجهالة ، ومضمون هذه الآية تنبيه المؤمنين على أن الله سبحانه أوردهم شرع الرشد ولذلك حبب إليهم الإيمان وزينة في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان فعليهم أن لا يغفلوا عن أن فيهم رسول الله وهو مؤيد من عند الله وعلى بينة من ربه لا يسلك إلا سبيل الرشد دون الغي فعليهم أن يطيعوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأمرهم به ويريدوا ما أراده ويختاروا ما اختاره ، ولا يصروا على أن يطيعهم في آرائهم وأهوائهم فإنه لو يطيعهم في كثير من الأمر جهدوا وهلكوا.

فقوله:"و اعلموا أن فيكم رسول الله"عطف على قوله في الآية السابقة:"فتبينوا"وتقديم الخبر للدلالة على الحصر ، والإشارة إلى ما هو لازمه فإن اختصاصهم بكون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم لازمه أن يتعلقوا بالرشد ويتجنبوا الغي ويرجعوا الأمور إليه ويطيعوه ويتبعوا أثره ولا يتعلقوا بما تستدعيه منهم أهواؤهم.

فالمعنى: ولا تنسوا أن فيكم رسول الله ، وهو كناية عن أنه يجب عليهم أن يرجعوا الأمور ويسيروا فيما يواجهونه من الحوادث على ما يراه ويأمر به من غير أن يتبعوا أهواء أنفسهم.

وقوله:"لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم"أي جهدتم وهلكتم ، والجملة كالجواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: لما ذا نرجع إليه ولا يرجع إلينا ولا يوافقنا؟ فأجيب بأنه"لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم".

وقوله:"و لكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم"استدراك عما يدل عليه الجملة السابقة:"لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم"من أنهم مشرفون بالطبع على الهلاك والغي فاستدرك أن الله سبحانه أصلح ذلك بما أنعم عليهم من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان.

والمراد بتحبيب الإيمان إليهم جعله محبوبا عندهم وبتزيينه في قلوبهم تحليته بجمال يجذب قلوبهم إلى نفسه فيتعلقون به ويعرضون عما يلهيهم عنه.

وقوله:"و كره إليكم الكفر والفسوق والعصيان"عطف على"حبب"وتكريه الكفر وما يتبعه إليهم جعلها مكروهة عندهم تتنفر عنها نفوسهم ، والفرق بين الفسوق والعصيان - على ما قيل - إن الفسوق هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية ، والعصيان نفس المعصية وإن شئت فقل: جميع المعاصي ، وقيل: المراد بالفسوق الكذب بقرينة الآية السابقة والعصيان سائر المعاصي.

وقوله:"أولئك هم الراشدون"بيان أن حب الإيمان والانجذاب إليه وكراهة الكفر والفسوق والعصيان هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته ويتنفر عن الغي الذي يقابله فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان ويتجنبوا الكفر والفسوق والعصيان حتى يرشدوا ويتبعوا الرسول ولا يتبعوا أهواءهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت