فهرس الكتاب

الصفحة 3861 من 4314

فإن قلت: لو كان اللام في"ليعبدون"للغرض كانت العبادة غرضه تعالى المراد من الخلقة ، ومن المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته لكن من المعلوم المشاهد عيانا أن كثيرا منهم لا يعبدونه تعالى وهذا نعم الدليل على أن اللام في الآية ليست للغرض أو أنها للغرض لكن المراد بالعبادة العبادة التكوينية كما في قوله:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44.

أو أن المراد بخلقهم للعبادة خلقهم على وجه صالح لأن يعبدوا الله بجعلهم ذوي اختيار وعقل واستطاعة ، وتنزيل الصلاحية والاستعداد منزلة الفعلية مجاز شائع كما يقال: خلق البقر للحرث ، والدار للسكنى.

قلت: الإشكال مبني على كون اللام في الجن والإنس للاستغراق فيكون تخلف الغرض في بعض الأفراد منافيا له وتخلفا من الغرض ، والظاهر أن اللام فيهما للجنس دون الاستغراق فوجود العبادة في النوع في الجملة تحقق للغرض لا يضره تخلفه في بعض الأفراد نعم لو ارتفعت العبادة عن جميع الأفراد كان ذلك بطلانا للغرض ، ولله سبحانه في النوع غرض كما أن له في الفرد غرضا.

وأما حمل العبادة على العبادة التكوينية فيضعفه أنها شأن عامة المخلوقات لا موجب لتخصيصه بالجن والإنس مضافا إلى أن السياق سياق توبيخ الكفار على ترك عبادة الله التشريعية وتهديدهم على إنكار البعث والحساب والجزاء وذلك متعلق بالعبادة التشريعية دون التكوينية.

وأما حمل العبادة على الصلوح والاستعداد بأن يكون الغرض من خلق الجن والإنس كونهما بحيث يصلحان للعبادة ويستعدان لها أو لتعلق الأمر والنهي العباديين فيضعفه أن من البين أن الصلوح والاستعداد إنما يتعلق به الطلب لأجل الفعلية التي يتعلق به الصلوح والاستعداد فلو كان الغرض المطلوب من خلقهما كونهما بحيث يصلحان للعبادة أو لتعلق الأمر والنهي العباديين فقد تعلق الغرض أولا بفعلية عبادتهما ثم بالصلوح والاستعداد لمكان المقدمية.

ففي حمل العبادة على الصلوح والاستعداد اعتراف بكون الغرض من الخلق أولا وبالذات نفس العبادة ثم الصلوح والاستعداد فيعود الإشكال لو كان هناك إشكال.

فالحق أن اللام في"الجن والإنس"للجنس دون الاستغراق ، والمراد بالعبادة نفسها دون الصلوح والاستعداد ، ولو كان المراد هو الصلوح والاستعداد للعبادة لكان ذلك غرضا أدنى مطلوبا لأجل غرض أعلى هو العبادة كما أن نفس العبادة بمعنى ما يأتي به العبد من الأعمال بالجوارح من قيام وركوع وسجود ونحوها غرض مطلوب لأجل غرض آخر هو المثول بين يدي رب العالمين بذلة العبودية وفقر المملوكية المحضة قبال العزة المطلقة والغنى المحض كما ربما استفيد من قوله تعالى:"قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم": الفرقان: 77 ، حيث بدل العبادة دعاء.

فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية وتوجيه وجهه إلى مقام ربه ، وهذا هو مراد من فسر العبادة بالمعرفة يعني المعرفة الحاصلة بالعبادة.

فحقيقة العبادة هي الغرض الأقصى من الخلقة وهي أن ينقطع العبد عن نفسه وعن كل شيء ويذكر ربه.

هذا ما يعطيه التدبر في قوله تعالى:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"ولعل تقديم الجن على الإنس لسبق خلقهم على خلق الإنس قال تعالى:"و الجان خلقناه من قبل من نار السموم": الحجر: 27 ، والعبادة هي غرض الفعل أي كمال عائد إليه لا إلى الفاعل على ما تقدم.

ويظهر من القصر في الآية بالنفي والاستثناء أن لا عناية لله بمن لا يعبده كما يفيده أيضا قوله:"قل ما يعبؤ بكم ربي لو لا دعاؤكم".

قوله تعالى:"ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون"الإطعام إعطاء الطعام ليطعم ويؤكل قال تعالى:"و الذي هو يطعمني ويسقين": الشعراء: 79 ، وقال:"الذي أطعمهم من جوع": الإيلاف: 4 ، فيكون ذكر الإطعام بعد الرزق من قبيل ذكر الخاص بعد العام لتعلق عناية خاصة به وهي أن التغذي أوسع حوائج الإنسان وغيره وأخسها لكونه مسبوقا بالجوع وملحوقا بالدفع.

وقيل: المراد بالرزق رزق العباد والمعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا عبادي الذين أرزقهم وما أريد أن يطعموني نفسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت