قوله تعالى:"الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة"إلخ ، الإثم هو الذنب وأصله - كما ذكره الراغب - الفعل المبطىء عن الثواب والخير ، وكبائر الإثم المعاصي الكبيرة وهو على ما في الرواية ما أوعد الله عليه النار ، وقد تقدم البحث عنها في تفسير قوله تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم"الآية ،: النساء: 31.
والفواحش الذنوب الشنيعة الفظيعة ، وقد عد تعالى في كلامه الزنا واللواط من الفواحش ولا يبعد أن يستظهر من الآية اتحادها مع الكبائر.
وأما اللمم فقد اختلفوا في معناه فقيل: هو الصغيرة من المعاصي ، وعليه فالاستثناء منقطع ، وقيل: هو أن يلم بالمعصية ويقصدها ولا يفعل والاستثناء أيضا منقطع ، وقيل: هو المعصية حينا بعد حين من غير عادة أي المعصية على سبيل الاتفاق فيكون أعم من الصغيرة والكبيرة وينطبق مضمون الآية على معنى قوله تعالى في وصف المتقين المحسنين:"و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون": آل عمران: 135.
وقد فسر في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بثالث المعاني.
والآية تفسر ما في الآية السابقة من قوله:"الذين أحسنوا"فهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ومن الجائز أن يقع منهم لمم.
وفي قوله:"إن ربك واسع المغفرة"تطميعهم في التوبة رجاء المغفرة.
وقوله:"هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض"قال الراغب: النشء والنشأة إحداث الشيء وتربيته.
انتهى.
فأنشئوهم من الأرض ما جرى عليهم في بدء خلقهم طورا بعد طور من أخذهم من المواد العنصرية إلى أن يتكونوا في صورة المني ويردوا الأرحام.
وقوله:"و إذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم"الأجنة جمع جنين ، والكلام معطوف على"إذ"السابق أي وهو أعلم بكم إذ كنتم أجنة في أرحام أمهاتكم يعلم ما حقيقتكم وما أنتم عليه من الحال وما في سركم وإلى ما يئول أمركم.
وقوله: فلا تزكوا أنفسكم"تفريع على العلم أي إذا كان الله أعلم من أول أمر فلا تزكوا أنفسكم بنسبتها إلى الطهارة هو أعلم بمن اتقى."