فهرس الكتاب

الصفحة 3896 من 4314

آية شق القمر بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة باقتراح من المشركين مما تسلمها المسلمون بلا ارتياب منهم.

ويدل عليها من القرآن الكريم دلالة ظاهرة قوله تعالى:"اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر": القمر: 2 ، فالآية الثانية تأبى إلا أن يكون مدلول قوله:"و انشق القمر"آية واقعة قريبة من زمان النزول أعرض عنها المشركون كسائر الآيات التي أعرضوا عنها وقالوا: سحر مستمر.

ويدل عليها من الحديث روايات مستفيضة متكاثرة رواها الفريقان وتسلمها المحدثون ، وقد تقدمت نماذج منها في البحث الروائي.

فالكتاب والسنة يدلان عليها وانشقاق كرة من الكرات الجوية ممكن في نفسه لا دليل على استحالته العقلية ، ووقوع الحوادث الخارقة للعادة - ومنها الآيات المعجزات - جائز وقد قدمنا في الجزء الأول من الكتاب تفصيل الكلام فيها إمكانا ووقوعا ومن أوضح الشواهد عليه القرآن الكريم فمن الواجب قبول هذه الآية وإن لم يكن من ضروريات الدين.

واعترض عليها بأن صدور الآية المعجزة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) باقتراح من الناس ينافي قوله تعالى:"و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا": إسراء: 59 فإن مفاد الآية إما أنا لا نرسل بالآيات إلى هذه الأمة لأن الأمم السابقة كذبوا بها وهؤلاء يماثلونهم في طباعهم فيكذبون بها ، ولا فائدة في الإرسال مع عدم ترتب أثر عليه أو المفاد أنا لا نرسل بها لأنا أرسلنا إلى أوليهم فكذبوا بها فعذبوا وأهلكوا ولو أرسلنا إلى هؤلاء لكذبوا بها وعذبوا عذاب الاستئصال لكنا لا نريد أن نعاجلهم بالعذاب ، وعلى أي حال لا يرسل بالآيات إلى هذه الأمة كما كانت ترسل إلى الأمم الدارجة.

نعم هذا في الآيات المرسلة باقتراح من الناس دون الآيات التي تؤيد بها الرسالة كالقرآن المؤيد لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكآيتي العصا واليد لموسى (عليه السلام) وآية إحياء الموتى وغيرها لعيسى (عليه السلام) ، وكذا الآيات النازلة لطفا منه سبحانه كالخوارق الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا عن اقتراح منهم.

ومثل الآية السابقة قوله تعالى:"و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى أن قال - قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": إسراء: 93 وغير ذلك من الآيات.

والجواب عن هذا الاعتراض يحتاج إلى تقديم مقدمة هي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث رسولا إلى أهل الدنيا كافة بنبوة خاتمة كما يدل عليه قوله تعالى:"قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا": الأعراف: 158 ، وقوله:"و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ": الأنعام: 19 ، وقوله:"و لكن رسول الله وخاتم النبيين": الأحزاب: 40 إلى غير ذلك من الآيات.

وقد بدأ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة بدعوة قومه من أهل مكة وحواليها فقابلوه بما استطاعوا من الشقاق والإيذاء والاستهزاء وهموا بإخراجه أو إثباته أو قتله حتى أمره ربه بالهجرة غير أنه آمن به وهو بمكة جمع كثير منهم وإن كانت عامتهم على الكفر والمؤمنون وإن كانوا قليلين بالنسبة إلى المشركين مضطهدين مفتنين لكنهم كانوا في أنفسهم جمعا ذا عدد كما يدل عليه قوله تعالى:"أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة": النساء: 77 فقد استجازوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقاتلوا المشركين فلم يأذن الله لهم في ذلك على ما روي في سبب نزول الآية وهذا يدل على أنهم كانوا ذوي عدة وعدة في الجملة ولم يزالوا يزيدون جمعا.

ثم هاجر (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وبسط هنالك الدعوة ونشر الإسلام فيها وفي حواليها وفي القبائل وفي اليمن وسائر أقطار الجزيرة ما عدا مكة وحواليها ثم بسط الدعوة على غير الجزيرة فكاتب الملوك والعظماء من فارس والروم ومصر سنة ست من الهجرة ثم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وقد أسلم ما بين الهجرة والفتح جمع من أهلها وحواليها.

ثم ارتحل (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من انتشار الإسلام ما كان ، ولم يزل الإسلام يزيد جمعا وينتشر صيتا إلى يومنا هذا وقد بلغوا خمس أهل الأرض عددا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت