فهرس الكتاب

الصفحة 3915 من 4314

و قيل: المفعول المحذوف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو جبرئيل والأنسب للسياق ما تقدم.

قوله تعالى:"خلق الإنسان علمه البيان"ذكر خلق الإنسان وسيذكر خصوصية خلقه بقوله:"خلق الإنسان من صلصال كالفخار"، والإنسان من أعجب مخلوقات الله تعالى أو هو أعجبها يظهر ذلك بقياس وجوده إلى وجود غيره من المخلوقات والتأمل فيما خط له من طريق الكمال في ظاهره وباطنه ودنياه وآخرته ، قال تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات": التين: 6.

وقوله:"علمه البيان"البيان الكشف عن الشيء والمراد به الكلام الكاشف عما في الضمير ، وهو من أعجب النعم وتعليمه للإنسان من عظيم العناية الإلهية المتعلقة به فليس الكلام مجرد إيجاد صوت ما باستخدام الرئة وقصبتها والحلقوم ولا ما يحصل من التنوع في الصوت الخارج من الحلقوم باعتماده على مخارج الحروف المختلفة في الفم.

بل يجعل الإنسان بإلهام باطني من الله سبحانه الواحد من هذه الأصوات المعتمدة على مخرج من مخارج الفم المسمى حرفا أو المركب من عدة من الحروف علامة مشيرة إلى مفهوم من المفاهيم يمثل به ما يغيب عن حس السامع وإدراكه فيقدر به على إحضار أي وضع من أوضاع العالم المشهود وإن جل ما جل أو دق ما دق من موجود أو معدوم ماض أو مستقبل ، ثم على إحضار أي وضع من أوضاع المعاني غير المحسوسة التي ينالها الإنسان بفكره ولا سبيل للحس إليها يحضرها جميعا لسامعه ويمثلها لحسه كأنه يشخصها له بأعيانها.

ولا يتم للإنسان اجتماعه المدني ولا تقدم في حياته هذا التقدم الباهر إلا بتنبهه لوضع الكلام وفتحه بذلك باب التفهيم والتفهم ، ولو لا ذلك لكان هو والحيوان العجم سواء في جمود الحياة وركودها.

ومن أقوى الدليل على أن اهتداء الإنسان إلى البيان بإلهام إلهي له أصل في التكوين اختلاف اللغات باختلاف الأمم والطوائف في الخصائص الروحية والأخلاق النفسانية وبحسب اختلاف المناطق الطبيعية التي يعيشون فيها ، قال تعالى:"و من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم": الروم: 22.

وليس المراد بقوله:"علمه البيان"أن الله سبحانه وضع اللغات ثم علمها الإنسان بالوحي إلى نبي من الأنبياء أو بالإلهام فإن الإنسان بوقوعه في ظرف الاجتماع مندفع بالطبع إلى اعتبار التفهيم والتفهم بالإشارات والأصوات وهو التكلم والنطق لا يتم له الاجتماع المدني دون ذلك.

على أن فعله تعالى هو التكوين والإيجاد والرابطة بين اللفظ ومعناه اللغوي وضعية اعتبارية لا حقيقية خارجية بل الله سبحانه خلق الإنسان وفطره فطرة تؤديه إلى الاجتماع المدني ثم إلى وضع اللغة بجعل اللفظ علامة للمعنى بحيث إذا ألقي اللفظ إلى سامعه فكأنما يلقى إليه المعنى ثم إلى وضع الخط بجعل الأشكال المخصوصة علائم للألفاظ فالخط مكمل لغرض الكلام ، وهو يمثل الكلام كما أن الكلام يمثل المعنى.

وبالجملة البيان من أعظم النعم والآلاء الربانية التي تحفظ لنوع الإنسان موقفه الإنساني وتهديه إلى كل خير.

هذا ما هو الظاهر المتبادر من الآيتين ، ولهم في معناهما أقوال: فقيل: الإنسان هو آدم (عليه السلام) والبيان الأسماء التي علمه الله إياها ، وقيل: الإنسان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والبيان القرآن أو تعليمه المؤمنين القرآن ، وقيل: البيان الخير والشر علمهما الإنسان ، وقيل: سبيل الهدى وسبيل الضلال إلى غير ذلك وهي أقوال بعيدة عن الفهم.

قوله تعالى:"الشمس والقمر بحسبان"الحسبان مصدر بمعنى الحساب ، والشمس مبتدأ والقمر معطوف عليه ، وبحسبان خبره ، والجملة خبر بعد خبر لقوله:"الرحمن"والتقدير الشمس والقمر يجريان بحساب منه على ما قدر لهما من نوع الجري.

قوله تعالى:"و النجم والشجر يسجدان"قالوا: المراد بالنجم ما ينجم من النبات ويطلع من الأرض ولا ساق له ، والشجر ما له ساق من النبات ، وهو معنى حسن يؤيده الجمع والقرن بين النجم والشجر وإن كان ربما أوهم سبق ذكر الشمس والقمر كون المراد بالنجم هو الكواكب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت