فمعنى الآيتين - والله أعلم - خلط البحرين العذب الفرات والملح الأجاج حال كونهما مستمرين في تلاقيهما بينهما حاجز لا يطغيان بأن يغمر أحدهما الآخر فيذهب بصفته من العذوبة والملوحة فيختل نظام الحياة والبقاء.
قوله تعالى:"يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان"أي من البحرين العذب والمالح جميعا وذلك من فوائدهما التي ينتفع بها الإنسان ، وقد تقدم فيه الكلام في تفسير قوله تعالى:"و ما يستوي البحران"الآية ،: فاطر: 12.
قوله تعالى:"و له الجوار المنشئات في البحر كالأعلام"الجواري جمع جارية وهي السفينة ، والمنشئات اسم مفعول من الإنشاء وهو إحداث الشيء وتربيته ، والأعلام جمع علم بفتحتين وهو الجبل.
وعد الجواري مملوكة له تعالى مع كونها من صنع الإنسان لأن الأسباب العاملة في إنشائها من خشب وحديد وسائر أجزائها التي تتركب منها والإنسان الذي يركبها وشعوره وفكره وإرادته كل ذلك مخلوق له ومملوك فما ينتجه عملها من ملكه.
فهو تعالى المنعم بها للإنسان ألهمه طريق صنعها والمنافع المترتبة عليها وسبيل الانتفاع بمنافعها الجمة.
قوله تعالى:"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"ضمير"عليها"للأرض أي كل ذي شعور وعقل على الأرض سيفنى وفيه تسجيل الزوال والدثور على الثقلين.
وإنما أتى باللفظ الدال على أولي العقل - كل من عليها - ولم يقل: كل ما عليها كذلك لأن الكلام مسرود في السورة لتعداد نعمه وآلائه تعالى للثقلين في نشأتيهم الدنيا والآخرة.
وظهور قوله:"فإن"في الاستقبال كما يستفاد أيضا من السياق يعطي أن قوله:"كل من عليها فان"يشير إلى انقطاع أمد النشأة الدنيا وارتفاع حكمها بفناء من عليها وهم الثقلان وطلوع النشأة الأخرى عليهم ، وكلاهما أعني فناء من عليها وطلوع نشأة الجزاء عليهم من النعم والآلاء لأن الحياة الدنيا حياة مقدمية لغرض الآخرة والانتقال من المقدمة إلى الغرض والغاية نعمة.
وبذلك يندفع قول من قال: أي نعمة في الفناء حتى يجعل من النعم ويعد من الآلاء.
ومحصل الجواب أن حقيقة هذا الفناء الرجوع إلى الله بالانتقال من الدنيا كما تفسره آيات كثيرة في كلامه تعالى وليس هو الفناء المطلق.
وقوله:"و يبقى وجه ربك"وجه الشيء ما يستقبل به غيره ويقصده به غيره ، وهو فيه سبحانه صفاته الكريمة التي تتوسط بينه وبين خلقه فتنزل بها عليهم البركات من خلق وتدبير كالعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والمغفرة والرزق وقد تقدم في تفسير سورة الأعراف كلام مبسوط في كون أسمائه وصفاته تعالى وسائط بينه وبين خلقه.
وقوله:"ذو الجلال والإكرام"في الجلال شيء من معنى الاعتلاء والترفع المعنوي على الغير فيناسب من الصفات ما فيه شائبة الدفع والمنع كالعلو والتعالي والعظمة والكبرياء والتكبر والإحاطة والعزة والغلبة.
ويبقى للإكرام من المعنى ما فيه نعت البهاء والحسن الذي يجذب الغير ويولهه كالعلم والقدرة والحياة والرحمة والجود والجمال والحسن ونحوها وتسمى صفات الجمال كما تسمى القسم الأول صفات الجلال وتسمى الأسماء أيضا على حسب ما فيها من صفات الجمال أو الجلال بأسماء الجمال أو الجلال.
فذو الجلال والإكرام اسم من الأسماء الحسنى جامع بمفهومه بين أسماء الجمال وأسماء الجلال جميعا.
والمسمى به بالحقيقة هو الذات المقدسة كما في قوله في آخر السورة:"تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام"لكن أجرى في هذه الآية - ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام - على الوجه ، وهو إما لكونه وصفا مقطوعا عن الوصفية للمدح ، والتقدير هو ذو الجلال والإكرام ، وإما لأن المراد بالوجه كما تقدم هو صفته الكريمة واسمه المقدس وإجراء الاسم على الاسم مآله إلى إجراء الاسم على الذات.
ومعنى الآية على تقدير أن يراد بالوجه ما يستقبل به الشيء غيره وهو الاسم - ومن المعلوم أن بقاء الاسم 1 فرع بقاء المسمى -: ويبقى ربك عز اسمه بما له من الجلال والإكرام من غير أن يؤثر فناؤهم فيه أثرا أو يغير منه شيئا.