فهرس الكتاب

الصفحة 3935 من 4314

على أنهم شاهدوا النشأة الأولى وعرفوها وعلموا أن الذي أوجدها عن كتم العدم هو الله سبحانه وإذ قدر عليها أولا فهو على إيجاد مثلها ثانيا قادر ، قال تعالى:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة": يس: 79 ، وهذا برهان على الإمكان يرتفع به استبعادهم للبعث.

وبالجملة يحصل لهم بالعلم بالنشأة الأولى علم بمبادىء البرهان على إمكان البعث فيرتفع به استبعاد البعث فلا استبعاد مع الإمكان.

وهذا - كما ترى - برهان على إمكان حشر الأجساد ، محصله أن البدن المحشور مثل البدن الدنيوي وإذ جاز صنع البدن الدنيوي وإحياؤه فليجز صنع البدن الأخروي وإحياؤه لأنه مثله وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

فمن العجيب قول الزمخشري في الكشاف ، في الآية: وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى بالأولى.

انتهى.

وذلك لأن الذي في الآية قياس برهاني منطقي والذي يستدل بها عليه قياس فقهي مفيد للظن فأين أحدهما من الآخر؟.

وقال في روح المعاني ، في الآية: فهلا تتذكرون أن من قدر عليها يعني على النشأة الأولى فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال ، وهذا على ما قالوا دليل على صحة القياس لكن قيل: لا يدل إلا على قياس الأولي لأنه الذي في الآية.

انتهى.

وفيه ما في سابقه.

على أن الذي في الآية ليس من قياس الأولي في شيء لأن الجامع بين النشأة الأولى والأخرى أنهما مثلان ومبدأ القياس أن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.

وأما قوله: إن النشأة الأخرى أقل صنعا لحصول المواد وتخصيص الأجزاء ، فهو ممنوع فإن المواد تحتاج إلى إفاضة الوجود بقاء كما تحتاج إليها في حدوثها وأول حصولها ، وكذا تخصص الأجزاء يحتاج إليها بقاء كما تحتاج إليها فالصنع ثانيا كالصنع أولا.

وأما قوله: وسبق المثال ، فقد خلط بين المثل والمثال فالبدن الأخروي بالنظر إلى نفسه مثل البدن الدنيوي لا على مثاله ولو كان على مثاله كانت الآخرة دنيا لا آخرة.

فإن قلت: لو كان البدن الأخروي مثلا للبدن الدنيوي ومثل الشيء غيره كان الإنسان المعاد في الآخرة غير الإنسان المبتدء في الدنيا لأنه مثله لا عينه.

قلت: قد تقدم في المباحث السابقة غير مرة أن شخصية الإنسان بروحه لا ببدنه ، والروح لا تنعدم بالموت وإنما يفسد البدن وتتلاشى أجزاؤه ثم إذا سوي ثانيا مثل ما كان في الدنيا ثم تعلقت به الروح كان الإنسان عين الإنسان الذي في الدنيا كما كان زيد الشائب مثلا عين زيد الشاب لبقاء الروح على شخصيتها مع تغير البدن لحظة بعد لحظة.

قوله تعالى:"أ فرأيتم ما تحرثون - إلى قوله - محرومون"بعد ما ذكرهم بكيفية خلق أنفسهم وتقدير الموت بينهم تمهيدا للبعث والجزاء وكل ذلك من لوازم ربوبيته عد لهم أمورا ثلاثة من أهم ما يعيشون به في الدنيا وهي الزرع الذي يقتاتون به والماء الذي يشربونه والنار التي يصطلون بها ويتوسلون بها إلى جمل من مآربهم ، وتثبت بذلك ربوبيته لهم فليست الربوبية إلا التدبير عن ملك.

فقال:"أ فرأيتم ما تحرثون"الحرث العمل في الأرض وإلقاء البذر عليها"أ أنتم تزرعونه"أي تنبتونه وتنمونه حتى يبلغ الغاية ، وضمير"تزرعونه"للبذر أو الحرث المعلوم من المقام"أم نحن الزارعون"المنبتون المنمون حتى يكمل زرعا"لو نشاء لجعلناه حطاما"أي هشيما متكسرا متفتتا"فظلتم"أي فظللتم وصرتم"تفكهون"أي تتعجبون مما أصيب به زرعكم وتتحدثون بما جرى قائلين"إنا لمغرمون"موقعون في الغرامة والخسارة ذهب مالنا وضاع وقتنا وخاب سعينا"بل نحن محرومون"ممنوعون من الرزق والخير.

ولا منافاة بين نفي الزرع عنهم ونسبته إليه تعالى وبين توسط عوامل وأسباب طبيعية في نبات الزرع ونموه فإن الكلام عائد في تأثير هذه الأسباب وصنعها وليس نحو تأثيرها باقتضاء من ذاتها منقطعة عنه تعالى بل بجعله ووضعه وموهبته ، وكذا الكلام في أسباب هذه الأسباب ، وينتهي الأمر إلى الله سبحانه وأن إلى ربك المنتهى.

قوله تعالى:"أ فرأيتم الماء الذي تشربون - إلى قوله - فلو لا تشكرون"المزن السحاب ، وقوله:"فلو لا تشكرون"تحضيض على الشكر ، وشكره تعالى جميل ذكره تعالى على نعمه وهو إظهار عبوديته قولا وعملا.

والباقي ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت