و ربما جعل"لا"في"لا يمسه"ناهية ، والمراد بالمس على هذا مس كتابة القرآن ، وبالطهارة الطهارة من الحدث أو الحدث والخبث جميعا - وقرىء"المطهرون"بتشديد الطاء والهاء وكسر الهاء أي المتطهرون - ومدلول الآية تحريم مس كتابة القرآن على غير طهارة.
ويمكن حمل الآية على هذا المعنى على تقدير كون لا نافية بأن تكون الجملة إخبارا أريد به الإنشاء وهو أبلغ من الإنشاء.
قال في الكشاف ،: وإن جعلتها يعني جملة"لا يمسه إلا المطهرون"صفة للقرآن فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس يعني مس المكتوب منه ، انتهى وقد عرفت صحة أن يراد بالمس العلم والاطلاع على تقدير كونها صفة للقرآن كما يصح على تقدير كونها صفة لكتاب مكنون.
وقوله:"تنزيل من رب العالمين"وصف آخر للقرآن ، والمصدر بمعنى اسم المفعول أي منزل من عند الله إليكم تفتهمونه وتعقلونه بعد ما كان في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون.
والتعبير عنه تعالى برب العالمين للإشارة إلى أن ربوبيته تعالى منبسطة على جميع العالمين وهم من جملتهم فهو تعالى ربهم وإذا كان ربهم كان عليهم أن يؤمنوا بكتابه ويصغوا لكلامه ويصدقوه من غير تكذيب.
قوله تعالى:"أ فبهذا الحديث أنتم مدهنون"الإشارة بهذا الحديث إلى القرآن ، والإدهان به التهاون به وأصله التليين بالدهن استعير للتهاون ، والاستفهام للتوبيخ يوبخهم تعالى على عدهم أمر القرآن هينا لا يعتنى به.
قوله تعالى:"و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون"قيل: المراد بالرزق حظهم من الخير ، والمعنى: وتجعلون حظكم من الخير الذي لكم أن تنالوه بالقرآن أنكم تكذبون به أي تضعونه موضعه ، وقيل: المراد بالرزق القرآن رزقهم الله إياه ، والمعنى: تأخذون التكذيب مكان هذا الرزق الذي رزقتموه ، وقيل: الكلام بحذف مضاف والتقدير: وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون أي وضعتم التكذيب موضع الشكر.
قوله تعالى:"فلو لا إذا بلغت الحلقوم - إلى قوله صادقين"رجوع إلى أول الكلام بالتفريع على تكذيبهم بأنكم إن كنتم صادقين في نفيكم للبعث مصيبين في تكذيبكم لهذا القرآن الذي ينبؤكم بالبعث رددتم نفس المحتضر التي بلغت الحلقوم إذ لو لم يكن الموت بتقدير من الله كان من الأمور الاتفاقية التي ربما أمكن الاحتيال لدفعها ، فإذا لم تقدروا على رجوعها وإعادة الحياة معها فاعلموا أن الموت حق مقدر من الله لسوق النفوس إلى البعث والجزاء.
فقوله:"فلو لا إذا بلغت الحلقوم"تفريع على تكذيبهم بالقرآن وبما أخبر به من البعث والجزاء ، ولو لا للتحضيض تعجيزا وتبكيتا لهم ، وضمير"بلغت"للنفس ، وبلوغ النفس الحلقوم كناية عن الإشراف التام للموت.
وقوله:"و أنتم حينئذ تنظرون"أي تنظرون إلى المحتضر أي هو بمنظر منكم.
وقوله:"و نحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون"أي والحال أنا أقرب إليه منكم لإحاطتنا به وجودا ورسلنا القابضون لروحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصروننا ولا رسلنا.
قال تعالى:"الله يتوفى الأنفس حين موتها": الزمر: 26 ، وقال:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة: 11 ، وقال:"حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا": الأنعام: 61.
وقوله:"فلو لا إن كنتم غير مدينين"تكرار لو لا لتأكيد لو لا السابقة ، و"مدينين"أي مجزيين من دان يدين بمعنى جزى يجزي ، والمعنى: إن كنتم غير مجزيين ثوابا وعقابا بالبعث.
وقوله:"ترجعونها إن كنتم صادقين"أي إن كنتم صادقين في دعواكم أن لا بعث ولا جزاء ، وقوله:"ترجعونها"مدخول لو لا التحضيضية بحسب التقدير وترتيب الآيات بحسب التقدير فلو لا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مدينين.
قوله تعالى:"فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم"رجوع إلى بيان حال الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة عند الموت وبعده وضمير"كان"للمتوفى المعلوم من السياق ، والمراد بالمقربين السابقون المقربون المذكورون سابقا ، والروح الراحة ، والريحان الرزق ، وقيل: هو الريحان المشموم من ريحان الجنة يؤتى به إليه فيشمه ويتوفى.
والمعنى: فأما إن كان المتوفى من المقربين فله - أو فجزاؤه - راحة من كل هم وغم وألم ورزق من رزق الجنة وجنة نعيم.