أقول: المراد بالقبلية والبعدية ليس هو القبلية والبعدية الزمانية بأن يفرض هناك امتداد زماني غير متناهي الطرفين وقد حل العالم قطعة منه خاليا عنه طرفاه ويكون وجوده تعالى وتقدس منطبقا على الزمان كله غير خال عنه شيء من جانبيه وإن ذهبا إلى غير النهاية فيتقدم وجوده تعالى على العالم زمانا ويتأخر عنه زمانا ولو كان كذلك لكان تعالى متغيرا في ذاته وأحواله بتغير الأزمنة المتجددة عليه ، وكان قبليته وبعديته بتبع الزمان وكان الزمان هو الأول والآخر بالأصالة.
وكذلك ليست ظاهريته وباطنيته بحسب المكان بنظير البيان بل هو تعالى سابق بنفس ذاته المتعالية على كل شيء مفروض وآخر بنفس ذاته عن كل أمر مفروض أنه آخر ، وظاهر ، وباطن كذلك ، والزمان مخلوق له متأخر عنه.
وفي الدر المنثور ، أخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا: هذا الله كان قبل كل شيء فما ذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأول قبل كل شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم.
وفي التوحيد ، بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم.
أقول: ليس المراد بهذا العلم الصور الذهنية فيكون تعالى كباني دار يتصور للدار صورة وهيئة قبل بنائها ثم يبنيها على ما تصور فتنطبق الصورة الذهنية على البناء الخارجي ثم تنهدم الدار والصورة الذهنية على حالها ، وهذا هو المسمى بالعلم الكلي وهو مستحيل عليه تعالى بل ذاته تعالى عين العلم بمعلومه ثم المعلوم إذا تحقق في الخارج كان ذات المعلوم عين علمه تعالى به ، ويسمى الأول العلم الذاتي والثاني العلم الفعلي.
وفيه ، خطبة لعلي (عليه السلام) وفيها: وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومه علم غيره.
أقول: المراد به أن ذاته تعالى عين علمه ، وليست هناك صورة زائدة.