قوله تعالى:"و ما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم"إلخ ، المراد بالإيمان الإيمان بحيث يترتب عليه آثاره ومنها الإنفاق في سبيل الله - وإن شئت فقل: المراد ترتيب آثار ما عندهم من الإيمان عليه -.
وقوله:"و الرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم"عبر الرب بالرب وإضافة إليهم تلويحا إلى علة توجه الدعوة والأمر كأنه قيل: يدعوكم لتؤمنوا بالله لأنه ربكم يجب عليكم أن تؤمنوا به.
وقوله:"و قد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين"تأكيد للتوبيخ المفهوم من أول الآية ، وضمير"أخذ"لله سبحانه أو للرسول وعلى أي حال المراد بالميثاق المأخوذ هو الذي تدل عليه شهادتهم على وحدانية الله ورسالة رسوله يوم آمنوا به (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنهم على السمع والطاعة.
وقيل: المراد بالميثاق هو الميثاق المأخوذ منهم في الذر ، وعلى هذا فضمير"أخذ"لله سبحانه ، وفيه أنه بعيد عن سياق الاحتجاج عليهم فإنهم غافلون عنه ، على أن أخذ الميثاق في الذر لا يختص بالمؤمنين بل يعم المنافقين والكفار.
قوله تعالى:"هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور"إلخ ، المراد بالآيات البينات آيات القرآن الكريم المبينة لهم ما عليهم من فرائض الدين ، وفاعل"ليخرجكم"الضمير العائد إلى الله أو إلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومرجع الثاني أيضا هو الأول فالميثاق ميثاقه وقد أخذه بواسطة رسوله أو بغير واسطته كما أن الإيمان به وبرسوله إيمان به ولذلك قال في صدر الآية:"و ما لكم لا تؤمنون بالله"فذكر نفسه ولم يذكر رسوله إشارة إلى أن الإيمان برسوله إيمان به.
وقوله:"و إن الله بكم لرءوف رحيم"في تذييل الآية برأفته تعالى ورحمته إشارة إلى أن الإيمان الذي يدعوهم إليه رسوله خير لهم وأصلح وهم الذين ينتفعون به دون الله ورسوله ، ففيه تأكيد ترغيبهم على الإيمان والإنفاق.
قوله تعالى:"و ما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض"الميراث والتراث المال الذي ينتقل من الميت إلى من بقي بعده من وراثه ، وإضافة الميراث إلى السماوات والأرض بيانية فالسماوات والأرض هي الميراث بما فيهما من الأشياء التي خلق منهما مما يمتلكه ذوو الشعور من سكنتهما فالسماوات والأرض شاملة لما فيهما مما خلق منهما ويتصرف فيها ذوو الشعور كالإنسان مثلا بتخصيص ما يتصرفون فيه لأنفسهم وهو الملك الاعتباري الذي هداهم الله سبحانه إلى اعتباره فيما بينهم لينتظم بذلك جهات حياتهم الدنيا.
غير أنهم لا يبقون ولا يبقى لهم بل يذهبهم الموت المقدر بينهم فينتقل ما في أيديهم إلى من بعدهم وهكذا حتى يفنى الجميع ولا يبقى إلا هو سبحانه.
فالأرض مثلا وما فيها وعليها من مال ميراث من جهة أن كل جيل من سكانها يرثها ممن قبله فكانت ميراثا دائما دائرا بينهم خلفا عن سلف ، وميراث من جهة أنهم سيفنون جميعا ولا يبقى لها إلا الله الذي استخلفهم عليها.
ولله سبحانه ميراث السماوات والأرض بكلا المعنيين ، أما الأول: فلأنه الذي يملكهم المال وهو المالك لما ملكهم ، قال تعالى:"لله ما في السماوات والأرض": لقمان: 26 ، وقال:"و لله ملك السماوات والأرض": النور: 42 ، وقال:"و آتوهم من مال الله الذي آتاكم": النور: 33.
وأما الثاني: فظاهر آيات القيامة كقوله تعالى:"كل من عليها فان": الرحمن: 26 وغيره ، والذي يسبق إلى الذهن أن المراد بكونهما ميراثا هو المعنى الثاني.
وكيف كان ففي الآية توبيخ شديد لهم على عدم إنفاقهم في سبيل الله من المال الذي لا يرثه بالحقيقة إلا هو تعالى ولا يبقى لهم ولا لغيرهم ، والإظهار في موضع الإضمار في قوله:"و لله"لتشديد التوبيخ.
قوله تعالى:"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا"إلخ ، الاستواء بمعنى التساوي ، وقسيم قوله:"من أنفق من قبل الفتح وقاتل"محذوف إيجازا لدلالة قوله:"أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا"عليه.
والمراد بالفتح - كما قيل - فتح مكة أو فتح الحديبية وعطف القتال على الإنفاق لا يخلو من إشعار بل دلالة على أن المراد بالإنفاق في سبيل الله المندوب إليه في الآيات هو الإنفاق في الجهاد.