و قوله:"ذلك هو الفوز العظيم"كلام الله سبحانه والإشارة إلى ما ذكر من سعي النور والبشرى أو من تمام قول الملائكة والإشارة إلى الجنات والخلود فيها.
قوله تعالى:"يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم"إلى آخر الآية ، النظر إذا تعدى بنفسه أفاد معنى الانتظار والإمهال ، وإذا عدي بإلى نحو نظر إليه كان بمعنى إلقاء البصر نحو الشيء وإذا عدي بفي كان بمعنى التأمل ، والاقتباس أخذ قبس من النار.
والسياق يفيد أنهم اليوم في ظلمة أحاطت بهم سرادقها وقد ألجئوا إلى المسير نحو دارهم التي يخلدون فيها غير أن المؤمنين والمؤمنات يسيرون بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فيبصرون الطريق ويهتدون إلى مقاماتهم ، وأما المنافقون والمنافقات فهم مغشيون بالظلمة لا يهتدون سبيلا وهم مع المؤمنين كما كانوا في الدنيا معهم ومعدودين منهم فيسبق المؤمنون والمؤمنات إلى الجنة ويتأخر عنهم المنافقون والمنافقات في ظلمة تغشاهم فيسألون المؤمنين والمؤمنات أن ينتظروهم حتى يلحقوا بهم ويأخذوا قبسا من نورهم ليستضيئوا به في طريقهم.
وقوله:"قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"القائل به إما الملائكة أو قوم من كمل المؤمنين كأصحاب الأعراف.
وكيف كان فهو من الله وبإذنه ، والخطاب بقوله:"ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا"قيل: إنه خطاب مبني على التهكم والاستهزاء كما كانوا يستهزءون في الدنيا بالمؤمنين ، والأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء الدنيا ، ومحصل المعنى: ارجعوا إلى الدنيا التي تركتموها وراء ظهوركم وعملتم فيها ما عملتم على النفاق ، والتمسوا من تلك الأعمال نورا فإنما النور نور الأعمال أو الإيمان ولا إيمان لكم ولا عمل.
ويمكن أن يجعل هذا وجها على حياله من غير معنى الاستهزاء بأن يكون قوله:"ارجعوا"أمرا بالرجوع إلى الدنيا واكتساب النور بالإيمان والعمل الصالح وليسوا براجعين ولا يستطيعون فيكون الأمر بالرجوع كالأمر بالسجود المذكور في قوله تعالى:"يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون": القلم: 43.
وقيل: المراد ارجعوا إلى المكان الذي قسم فيه النور والتمسوا من هناك فيرجعون فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور ، وهذا خدعة منه تعالى يخدعهم بها كما كانوا في الدنيا يخادعونه كما قال:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم": النساء: 142.
قوله تعالى:"فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب"سور المدينة حائطها الحاجز بينها وبين الخارج منها ، والضمير في"فضرب بينهم بسور"راجع إلى المؤمنين والمنافقين جميعا أي ضرب بين المؤمنين وبين المنافقين بسور حاجز يحجز إحدى الطائفتين عن الأخرى.
قيل: السور هو الأعراف وهو غير بعيد وقد تقدمت إشارة إليه في تفسير قوله تعالى:"و بينهما حجاب وعلى الأعراف رجال"الآية: الأعراف: 46 ، وقيل: السور غير الأعراف.
وقوله:"له باب"أي للسور باب وهذا يشبه حال المنافقين في الدنيا فقد كانوا فيها بين المؤمنين لهم اتصال بهم وارتباط وهم مع ذلك محجوبون عنهم بحجاب.
على أنهم يرون أهل الجنة ويزيد بذلك حسرتهم وندامتهم.
وقوله:"باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب""باطنه"مبتدأ وجملة فيه الرحمة"مبتدأ وخبر وهي خبر باطنه وكذا ظاهره مبتدأ وجملة من قبله العذاب مبتدأ وخبر هي خبره ، وضميرا فيه ومن قبله للباطن والظاهر."
ويظهر من كون باطن السور فيه رحمة وظاهره من قبله العذاب أن السور محيط بالمؤمنين وهم في داخله والمنافقون في الخارج منه.
وفي اشتمال داخله الذي يلي المؤمنين على الرحمة وظاهره الذي يلي المنافقين على العذاب مناسبة لحال الإيمان في الدنيا فإنه نعمة لأهل الإخلاص من المؤمنين يبتهجون بها ويلتذون وعذاب لأهل النفاق يتحرجون من التلبس به ويتألمون منه.
قوله تعالى:"ينادونهم أ لم نكن معكم"إلى آخر الآية استئناف في معنى جواب السؤال كأنه قيل: فما ذا يفعل المنافقون والمنافقات بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب من ظاهره؟ فقيل: ينادونهم إلخ.