و ذلك أن مقتضى السياق أن المستثنى من قوله:"ما يكون من نجوى"إلخ ، معنى واحد وهو أن الله لا يخفى عليه نجوى فقوله:"إلا هو رابعهم""إلا هو سادسهم"في معنى قوله:"إلا هو معهم"وهو المعية العلمية أي أنه يشاركهم في العلم ويقارنهم فيه أو المعية الوجودية بمعنى أنه كلما فرض قوم يتناجون فالله سبحانه هناك سميع عليم.
وفي قوله:"أينما كانوا"تعميم من حيث المكان إذ لما كانت معيته تعالى لهم من حيث العلم لا بالاقتران الجسماني لم يتفاوت الحال ولم يختلف باختلاف الأمكنة بالقرب والبعد فالله سبحانه لا يخلو منه مكان وليس في مكان.
وبما تقدم يظهر أيضا أن - ما تفيده الآية من معيته تعالى لأصحاب النجوى وكونه رابع الثلاثة منهم وسادس الخمسة منهم لا ينافي ما تقدم تفصيلا في ذيل قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": المائدة: 73 ، من أن وحدته تعالى ليست وحدة عددية بل وحدة أحدية يستحيل معها فرض غير معه يكون ثانيا له فالمراد بكونه معهم ورابعا للثلاثة منهم وسادسا للخمسة منهم أنه عالم بما يتناجون به وظاهر مكشوف له ما يخفونه من غيرهم لا أن له وجودا محدودا يقبل العد يمكن أن يفرض له ثان وثالث وهكذا.
وقوله:"ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة أي يخبرهم بحقيقة ما عملوا من عمل ومنه نجواهم ومسارتهم."
وقوله:"إن الله بكل شيء عليم"تعليل لقوله:"ثم ينبئهم"إلخ ، وتأكيد لما تقدم من علمه بما في السماوات وما في الأرض ، وكونه مع أصحاب النجوى.
والآية تصلح أن تكون توطئة وتمهيدا لمضمون الآيات التالية ولا يخلو ذيلها من لحن شديد يرتبط بما في الآيات التالية من الذم والتهديد.
قوله تعالى:"أ لم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه"إلى آخر الآية سياق الآيات يدل على أن قوما من المنافقين والذين في قلوبهم مرض من المؤمنين كانوا قد أشاعوا بينهم النجوى محادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين يتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وليؤذوا بذلك المؤمنين ويحزنون وكانوا يصرون على ذلك من غير أن ينتهوا بنهي فنزلت الآيات.
فقوله:"أ لم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه"ذم وتوبيخ غيابي لهم ، وقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخاطبهم أنفسهم مبالغة في تحقير أمرهم وإبعادا لهم عن شرف المخاطبة.
والمعنى: أ لم تنظر إلى الذين نهوا عن التناجي بينهم بما يغم المؤمنين ويحزنهم ثم يعودون إلى التناجي الذي نهوا عنه عود بعد عودة ، وفي التعبير بقوله:"يعودون"دلالة على الاستمرار ، وفي العدول عن ضمير النجوى إلى الموصول والصلة حيث قيل:"يعودون لما نهوا عنه"ولم يقل يعودون إليها دلالة على سبب الذم والتوبيخ ومساءة العود لأنها أمر منهي عنه.
وقوله:"يتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول"المقابلة بين الأمور الثلاثة: الإثم والعدوان ومعصية الرسول تفيد أن المراد بالإثم هو العمل الذي له أثر سيىء لا يتعدى نفس عامله كشرب الخمر والميسر وترك الصلاة مما يتعلق من المعاصي بحقوق الله ، والعدوان هو العمل الذي فيه تجاوز إلى الغير مما يتضرر به الناس ويتأذون مما يتعلق من المعاصي بحقوق الناس ، والقسمان أعني الإثم والعدوان جميعا من معصية الله ، ومعصية الرسول مخالفته في الأمور التي هي جائزة في نفسها لا أمر ولا نهي من الله فيها لكن الرسول أمر بها أو نهى عنها لمصلحة الأمة بما له ولاية أمورهم والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما نهاهم عن النجوى وإن لم يشتمل على معصية.
كان ما تقدم من قوله:"الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه"ذما وتوبيخا لهم على نفس نجواهم بما أنها منهي عنها مع الغض عن كونها بمعصية أو غيرها: وهذا الفصل أعني قوله:"و يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول"ذم وتوبيخ لهم بما يشتمل عليه تناجيهم من المعصية بأنواعها وهؤلاء القوم هم المنافقون ومرضى القلوب كانوا يكثرون من النجوى بينهم ليغتم بها المؤمنون ويحزنوا ويتأذوا.
وقيل: المنافقون واليهود كان يناجي بعضهم بعضا ليحزنوا المؤمنين ويلقوا بينهم الوحشة والفزع ويوهنوا عزمهم لكن في شمول قوله:"الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه"لليهود خفاء.