فهرس الكتاب

الصفحة 3979 من 4314

و قوله:"بأسهم بينهم شديد"أي هم فيما بينهم شديد البطش غير أنهم إذا برزوا لحربكم وشاهدوكم يجبنون بما ألقى الله في قلوبهم من الرعب.

وقوله:"تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى"أي تظن أنهم مجتمعون في ألفة واتحاد والحال أن قلوبهم متفرقة غير متحدة وذلك أقوى عامل في الخزي والخذلان.

ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ولو عقلوا لاتحدوا ووحدوا الكلمة.

قوله تعالى:"كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم"الوبال العاقبة السيئة وقوله:"قريبا"قائم مقام الظروف منصوب على الظرفية أي في زمان قريب.

وقوله:"كمثل"إلخ ، خبر مبتدإ محذوف والتقدير"مثلهم كمثل"إلخ ، والمعنى: مثلهم أي مثل بني النضير من اليهود في نقضهم العهد ووعد المنافقين لهم بالنصر كذبا ثم الجلاء مثل الذين من قبلهم في زمان قريب وهم بنو قينقاع رهط آخر من يهود المدينة نقضوا العهد بعد غزوة بدر فأجلاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أذرعات وقد كان وعدهم المنافقون أن يكلموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم ويمنعوه من إجلائهم فغدروا بهم فذاق بنو قينقاع وبال أمرهم ولهم في الآخرة عذاب أليم وقيل: المراد بالذين من قبلهم كفار مكة يوم بدر وما تقدم أنسب للسياق.

والمثل على أي حال مثل لبني النضير لا للمنافقين على ما يعطيه السياق.

قوله تعالى:"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك"إلخ ، ظاهر السياق أنه مثل للمنافقين في غرورهم بني النضير بوعد النصر ثم خذلانهم عند الحاجة.

وظاهر سياق يفيد أن المراد بالشيطان والإنسان الجنس والإشارة إلى غرور الشيطان للإنسان بدعوته إلى الكفر بتزيين أمتعة الحياة له وتسويل الإعراض عن الحق بمواعيده الكاذبة والأماني السرابية حتى إذا طلعت له طلائع الآخرة وعاين أن ما اغتر به من أماني الحياة الدنيا لم يكن إلا سرابا يغره وخيالا يلعب به تبرأ منه الشيطان ولم يف بما وعده وقال: إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين.

وبالجملة مثل المنافقين في دعوتهم بني النضير إلى مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووعدهم النصر ثم الغدر بهم وخلف الوعد كمثل هذا الشيطان في دعوة الإنسان إلى الكفر بمواعيده الكاذبة ثم تبريه منه بعد الكفر عند الحاجة.

وقيل: المراد بالتمثيل الإشارة إلى قصة برصيصا العابد الذي زين له الشيطان الفجور ففجر بامرأة ثم كفر وسيأتي القصة في البحث الروائي التالي إن شاء الله.

وقيل: المثل السابق المذكور في قوله:"كمثل الذين من قبلهم قريبا"مثل كفار مكة يوم بدر - كما تقدم - والمراد بالإنسان في هذا المثل أبو جهل وبقول الشيطان له اكفر ما قصه الله تعالى بقوله في القصة:"و إذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب": الأنفال: 48.

وعلى هذا الوجه فقول الشيطان:"إني أخاف الله رب العالمين"قول جدي لأنه كان يخاف تعذيب الملائكة النازلين لنصرة المؤمنين ببدر وأما على الوجهين الأولين فهو نوع من الاستهزاء والإخزاء.

قوله تعالى:"فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين"الظاهر أن ضمائر التثنية للشيطان والإنسان المذكورين في المثل ففي الآية بيان عاقبة الشيطان في غروره الإنسان وإضلاله والإنسان في اغتراره به وضلاله ، وإشارة إلى أن ذلك عاقبة المنافقين في وعدهم لبني النضير وغدرهم بهم وعاقبة بني النضير في اغترارهم بوعدهم الكاذب وإصرارهم على المشاقة والمخالفة ، ومعنى الآية ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت