و الرواية من حيث متنها لا تخلو من بحث: أما أولا: فلأن ظاهرها بل صريحها أن حاطب بن أبي بلتعة كان يستحق بصنعة ما صنع القتل أو جزاء دون ذلك ، وإنما صرف عنه ذلك كونه بدريا فالبدري لا يؤاخذ بما أتى به من معصية كما يصرح به قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر في هذه الرواية:"أنه شهد بدرا"وفي رواية الحسن: أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر أنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر.
ويعارضه ما في قصة الإفك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما نزلت براءة عائشة حد مسطح بن أثاثة وكان من الآفكين ، وكان مسطح بن أثاثة هذا من السابقين الأولين من المهاجرين وممن شهد بدرا كما في صحيحي البخاري ومسلم وحده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نطقت به الروايات الكثيرة الواردة في تفسير آيات الإفك.
وأما ثانيا: فلأن ما يشتمل عليه من خطابه تعالى لأهل بدر"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"الدال على كون كل ما أتوا به من ذنب مغفورا لهم لا يتم بالبداهة إلا بارتفاع عامة التكاليف الدينية عنهم من واجب أو حرام أو مستحب أو مكروه ، ولا معنى لتعلق التكليف المولوي بأمر مع إلغاء تبعة مخالفته وتسوية الفعل والترك بالنسبة إلى المكلف كما يدل عليه قوله:"اعملوا ما شئتم"على بداهة ظهوره في الإباحة العامة.
ولازم ذلك: أولا: شمول المغفرة من المعاصي لما يحكم بداهة العقل على عدم شمول العفو له لو لا التوبة كعبادة الأصنام والرد على الله ورسوله وتكذيب النبي والافتراء على الله ورسوله والاستهزاء بالدين وأحكامه الثابتة بالضرورة ، فإن الآيات المتعرضة لها الناهية عنها تأبى شمول المغفرة لها من غير توبة ، ومثلها قتل النفس المحترمة ظلما والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل ، واستباحة الدماء والأعراض والأموال.
ومن المعلوم أن المحذور إمكان تعلق المغفرة بأمثال هذه المعاصي والذنوب لا فعلية تعلقها بها فلا يدفع بأن الله سبحانه يحفظ هذا المكلف المغفور له من اقتراف أمثال هذه المعاصي والذنوب وإن كان غفر له لو اقترف.
وثانيا: أن يخصص قوله: اعملوا ما شئتم عمومات جميع الأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات من حيث المتعلق فلا يعم شيء منها البدريين ولا يتعلق بهم ، ولو كان كذلك لكان معروفا عند الصحابة مسلما لهم أن هؤلاء العصابة محررون من كل تكليف ديني مطلقون من قيد وظائف العبودية وكان البدريون أنفسهم أحق برعاية معنى التحرير فيما بينهم أنفسهم على ما له من الأهمية ، ولا شاهد يشهد بذلك في المروي من أخبارهم والمحفوظ من آثارهم بل المستفاد من سيرهم وخاصة في خلال الفتن الواقعة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلاف ذلك بما لا يسع لأحد إنكاره.
على أن تحرير قوم ذوي عدد من الناس وإطلاقهم من قيد التكليف لهم أن يفعلوا ما يشاءون وأن لا يبالوا بمخالفة الله ورسوله وإن عظمت ما عظمت يناقض مصلحة الدعوة الدينية وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبث المعارف الإلهية التي جاء بها الرسول بالرواية عنه إذ لا يبقى للناس بهم وثوق فيما يقولون ويروون من حكم الله ورسوله أن لا ضير عليهم ولو أتوا بكل كذب افتراء أو اقترفوا كل منكر وفحشاء والناس يعلمون منهم ذلك.
ويجري ذلك في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد أهل بدر وقد أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فكيف تطمئن القلوب إلى دعوة من يجوز تلبسه بكل كذب وافتراء ومنكر وفحشاء؟ وأنى تسلم النفوس له الاتصاف بتلك الصفات الكريمة التي مدحه الله بها؟ بل كيف يجوز في حكمته تعالى أن يقلد الشهادة والدعوة من لا يؤمن في حال أو مقال ، ويعده سراجا منيرا وهو تعالى قد أباح له أن يحيي الباطل كما ينير الحق وأذن له في أن يضل الناس وقد بعثه ليهديهم والآيات المتعرضة لعصمة الأنبياء وحفظ الوحي تأبى ذلك كله.
على أن ذلك يفسد استقامة الخطاب في كثير من الآيات التي فيها عتاب الصحابة والمؤمنين على بعض تخلفاتهم كالآيات النازلة في وقعة أحد والأحزاب وحنين وغيرها المعاتبة لهم على انهزامهم وفرارهم من الزحف وقد أوعد الله عليه النار.