و بهذا البيان يظهر أن معنى قوله (عليه السلام) :"و مبشرا برسول يأتي من بعدي"إلخ ، يفيد كون ما أتى به النبي أحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أرقى وأكمل مما تضمنته التوراة وبعث به عيسى (عليه السلام) وهو (عليه السلام) متوسط رابط بين الدعوتين.
ويعود معنى كلامه:"إني رسول الله إليكم مصدقا"إلخ ، إلى أني رسول من الله إليكم أدعو إلى شريعة التوراة ومنهاجها - ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم - وهي شريعة سيكملها الله ببعث نبي يأتي من بعدي اسمه أحمد.
وهو كذلك فإمعان التأمل في المعارف الإلهية التي يدعو إليها الإسلام يعطي أنها أدق مما في غيره من الشرائع السماوية السابقة وخاصة ما يندب إليه من التوحيد الذي هو أصل الأصول الذي يبتنى عليه كل حكم ويعود إليه كل من المعارف الحقيقية وقد تقدم شطر من الكلام فيه في المباحث السابقة من الكتاب.
وكذا الشرائع والقوانين العملية التي لم تدع شيئا مما دق وجل من أعمال الإنسان الفردية والاجتماعية إلا عدلته وحدت حدوده وقررته على أساس التوحيد ووجهته إلى غرض السعادة.
وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:"الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم": الأعراف: 157 ، وآيات أخرى يصف القرآن.
والآية أعني قوله:"و مبشرا برسول يأتي من بعدي"وإن كانت مصرحة بالبشارة لكنها لا تدل على كونها مذكورة في كتابه (عليه السلام) غير أن آية الأعراف المنقولة آنفا:"يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل"وكذا قوله في صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل"الآية: الفتح: 29 ، يدلان على ذلك.
وقوله:"اسمه أحمد"دلالة السياق على تعبير عيسى (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحمد وعلى كونه اسما له يعرف به عند الناس كما كان يسمى بمحمد ظاهرة لا سترة عليها.
ويدل عليه قول حسان: صلى الإله ومن يحف بعرشه.
والطيبون على المبارك أحمد.
ومن أشعار أبي طالب قوله: وقالوا لأحمد أنت امرؤ.
خلوف اللسان ضعيف السبب.
ألا إن أحمد قد جاءهم.
بحق ولم يأتهم بالكذب.
وقوله مخاطبا للعباس وحمزة وجعفر وعلي يوصيهم بنصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كونوا فدى لكم أمي وما ولدت.
في نصر أحمد دون الناس أتراسا.
ومن شعره فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد سماه باسمه الآخر محمد: أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا.
نبيا كموسى خط في أول الكتب.
ويستفاد من البيت أنهم عثروا على وجود البشارة به (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكتب السماوية التي كانت عند أهل الكتاب يومئذ ذاك.
ويؤيده أيضا إيمان جماعة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وفيهم قوم من علمائهم كعبد الله بن سلام وغيره وقد كانوا يسمعون هذه الآيات القرآنية التي تذكر البشارة به (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكره في التوراة والإنجيل فتلقوه بالقبول ولم يكذبوه ولا أظهروا فيه شيئا من الشك والترديد.
وأما خلو الأناجيل الدائرة اليوم عن بشارة عيسى بما فيها من الصراحة فالقرآن - وهو آية معجزة باقية - في غنى عن تصديقها ، وقد تقدم البحث عن سندها واعتبارها في الجزء الثالث من الكتاب.
وقوله:"فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين"ضمير"جاء"لأحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير"هم"لبني إسرائيل أو لهم ولغيرهم ، والمراد بالبينات البشارة ومعجزة القرآن وسائر آيات النبوة.
والمعنى: فلما جاء أحمد المبشر به بني إسرائيل أو أتاهم وغيرهم بالآيات البينة التي منها بشارة عيسى (عليه السلام) قالوا هذا سحر مبين ، وقرىء هذا ساحر مبين.
وقيل: ضمير"جاء"لعيسى (عليه السلام) ، والسياق لا يلائمه.
قوله تعالى:"و من أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام"إلخ ، الاستفهام للإنكار وهو رد لقولهم:"هذا سحر مبين"فإن معناه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس برسول وأن ما بلغه من دين الله ليس منه تعالى.