فهرس الكتاب

الصفحة 4008 من 4314

قوله تعالى:"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم"إلخ ، الأميون جمع أمي وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب ، والمراد بهم - كما قيل - العرب لقلة من كان منهم يقرأ ويكتب وقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم أي من جنسهم وهو غير كونه مرسلا إليهم فقد كان منهم وكان مرسلا إلى الناس كافة.

واحتمل أن يكون المراد بالأميين غير أهل الكتاب كما قال اليهود - على ما حكى الله عنهم -:"ليس علينا في الأميين سبيل": آل عمران: 75.

وفيه أنه لا يناسب قوله في ذيل الآية:"يتلوا عليهم آياته"إلخ ، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخص غير العرب وغير أهل الكتاب بشيء من الدعوة لم يلقه إليهم.

واحتمل أن يكون المراد بالأميين أهل مكة لكونهم يسمونها أم القرى.

وفيه أنه لا يناسب كون السورة مدنية لإيهامه كون ضمير"يزكيهم ويعلمهم"راجعا إلى المهاجرين ومن أسلم من أهل مكة بعد الفتح وأخلافهم وهو بعيد من مذاق القرآن.

ولا منافاة بين كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأميين مبعوثا فيهم وبين كونه مبعوثا إليهم وإلى غيرهم وهو ظاهر ، وتلاوته عليهم آياته وتزكيته وتعليمه لهم الكتاب والحكمة لنزوله بلغتهم وهو أول مراحل دعوته ولذا لما استقرت الدعوة بعض الاستقرار أخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو اليهود والنصارى والمجوس وكاتب العظماء والملوك.

وكذا دعوة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) على ما حكى الله تعالى:"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك - إلى أن قال - ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": البقرة: 129 ، تشمل جميع آل إسماعيل من عرب مضر أعم من أهل مكة وغيرهم ، ولا ينافي كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوثا إليهم وإلى غيرهم.

وقوله:"يتلوا عليهم آياته"أي آيات كتابه مع كونه أميا.

صفة للرسول.

وقوله:"و يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة"التزكية تفعيل من الزكاة بمعنى النمو الصالح الذي يلازم الخير والبركة فتزكيته لهم تنميته لهم نماء صالحا بتعويدهم الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة فيكملون بذلك في إنسانيتهم فيستقيم حالهم في دنياهم وآخرتهم يعيشون سعداء ويموتون سعداء.

وتعليم الكتاب بيان ألفاظ آياته وتفسير ما أشكل من ذلك ، ويقابله تعليم الحكمة وهي المعارف الحقيقية التي يتضمنها القرآن ، والتعبير عن القرآن تارة بالآيات وتارة بالكتاب للدلالة على أنه بكل من هذه العناوين نعمة يمتن بها - كما قيل -.

وقد قدم التزكية هاهنا على تعليم الكتاب والحكمة بخلاف ما في دعوة إبراهيم (عليه السلام) لأن هذه الآية تصف تربيته (صلى الله عليه وآله وسلم) لمؤمني أمته ، والتزكية مقدمة في مقام التربية على تعليم العلوم الحقة والمعارف الحقيقية وأما ما في دعوة إبراهيم (عليه السلام) فإنها دعاء وسؤال أن يتحقق في ذريته هذه الزكاة والعلم بالكتاب والحكمة ، والعلوم والمعارف أقدم مرتبة وأرفع درجة في مرحلة التحقق والاتصاف من الزكاة الراجعة إلى الأعمال والأخلاق.

وقوله:"و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين""إن"مخففة من الثقيلة والمراد أنهم كانوا من قبل بعثة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضلال مبين ، والآية تحميد بعد تسبيح ومسوقة للامتنان كما سيأتي.

قوله تعالى:"و آخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم"عطف على الأميين وضمير"منهم"راجع إليهم و"من"للتبعيض والمعنى: بعث في الأميين وفي آخرين منهم لم يلحقوا بهم بعد وهو العزيز الذي لا يغلب في إرادته الحكيم الذي لا يلغو ولا يجازف في فعله.

قوله تعالى:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"الإشارة بذلك إلى بعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - وقد فخم أمره بالإشارة البعيدة - فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) المخصوص بالفضل ، والمعنى: ذلك البعث وكونه يتلو آيات الله ويزكي الناس ويعلمهم الكتاب والحكمة من فضل الله وعطائه يعطيه من تعلقت به مشيته وقد شاء أن يعطيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والله ذو الفضل العظيم كذا قال المفسرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت