فهرس الكتاب

الصفحة 4027 من 4314

و"من"في قوله:"فمنكم"و"منكم"للتبعيض أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن.

وقد نبه بقوله:"و الله بما تعملون بصير"على أن انقسامهم قسمين وتفرقهم فرقتين حق كما ذكر ، وهم متميزون عنده لأن الملاك في ذلك أعمالهم ظاهرها وباطنها والله بما يعملون بصير لا تخفى عليه ولا تشتبه.

وتتضمن الآية مقدمة أخرى لإثبات المعاد وتنجزه وهي أن الناس مخلوقون له تعالى متميزون عنده بالكفر والإيمان وصالح العمل وطالحه.

قوله تعالى:"خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير"المراد بالحق خلاف الباطل وهو خلقها من غير غاية ثابتة وغرض ثابت كما قال:"لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا": الأنبياء: 17 ، وقال:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون": الدخان: 39.

وقوله:"و صوركم فأحسن صوركم"المراد بالتصوير إعطاء الصورة وصورة الشيء قوامه ونحو وجوده كما قال:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم": التين: 4 ، وحسن الصورة تناسب تجهيزاتها بعضها لبعض والمجموع لغاية وجودها ، وليس هو الحسن بمعنى صباحة المنظر وملاحته بل الحسن العام الساري في الأشياء كما قال تعالى:"الذي أحسن كل شيء خلقه": الم السجدة: 7.

ولعل اختصاص حسن صورهم بالذكر للتنبيه على أنها ملائمة للغاية التي هي الرجوع إلى الله فتكون الجملة من جملة المقدمات المسوقة لإثبات المعاد على ما تقدمت الإشارة إليه.

وبهذه الآية تتم المقدمات المنتجة للزوم البعث ورجوع الخلق إليه تعالى فإنه تعالى لما كان ملكا قادرا على الإطلاق له أن يحكم بما شاء ويتصرف كيف أراد وهو منزه عن كل نقص وشين محمود في أفعاله ، وكان الناس مختلفين بالكفر والإيمان وهو بصير بأعمالهم ، وكانت الخلقة لغاية من غير لغو وجزاف كان من الواجب أن يبعثوا بعد نشأتهم الدنيا لنشأة أخرى دائمة خالدة فيعيشوا فيها عيشة باقية على ما يقتضيه اختلافهم بالكفر والإيمان وهو الجزاء الذي يسعد به مؤمنهم ويشقى به كافرهم.

وإلى هذه النتيجة يشير بقوله:"و إليه المصير".

قوله تعالى:"يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور"دفع شبهة لمنكري المعاد مبنية على الاستبعاد وهي أنه كيف يمكن إعادة الموجودات وهي فانية بائدة وحوادث العالم لا تحصى والأعمال والصفات لا تعد ، منها ظاهرة علنية ومنها باطنة سرية ومنها مشهودة ومنها مغيبة ، فأجيب بأن الله يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون.

وقوله:"و الله عليم بذات الصدور"قيل: إنه اعتراض تذييلي مقرر لشمول علمه تعالى بما يسرون وما يعلنون والمعنى: أنه تعالى محيط علما بالمضرات المستكنة في صدور الناس مما لا يفارقها أصلا فكيف يخفى عليه شيء مما تسرونه وما تعلنونه.

وفي قوله:"و الله عليم"إلخ ، وضع الظاهر موضع الضمير والأصل"و هو عليم"إلخ والنكتة فيه الإشارة إلى علة الحكم ، وليكون ضابطا يجري مجرى المثل.

قوله تعالى:"أ لم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم"وبال الأمر تبعته السيئة والمراد بأمرهم كفرهم وما تفرع عليه من فسوقهم.

لما كان مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا المعدودة في الآيات السابقة وجوب معاد الناس ومصيرهم إلى ربهم للحساب والجزاء فمن الواجب إعلامهم بما يجب عليهم أن يأتوا به أو يجتنبوا عنه وهو الشرع ، والطريق إلى ذلك الرسالة فمن الواجب إرسال رسول على أساس الإنذار والتبشير بعقاب الآخرة وثوابها وسخطه تعالى ورضاه.

ساق تعالى الكلام بالإنذار بالإشارة إلى نبأ الذين كفروا من قبل وأنهم ذاقوا وبال أمرهم ولهم في الآخرة عذاب أليم ثم انتقل إلى بيان سبب كفرهم وهو تكذيب الرسالة ثم إلى سبب ذلك وهو إنكار البعث والمعاد.

ثم استنتج من ذلك كله وجوب إيمانهم بالله ورسوله والدين الذي أنزله عليه وختم التمهيد المذكور بالتبشير والإنذار بالإشارة إلى ما هيىء للمؤمنين الصالحين من جنة خالدة ولغيرهم من الكفار المكذبين من نار مؤبدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت