فهرس الكتاب

الصفحة 4055 من 4314

و قوله:"إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة"لخص سبحانه جميع ما كانت تبتغيه في حياتها وترومه في مسير عبوديتها في مسألة سألت ربها وذلك أن الإيمان إذا كمل تواطأ الظاهر والباطن وتوافق القلب واللسان فلا يقول الإنسان إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول فيكون ما يرجوه أو يتمناه أو يسأله بلسانه هو الذي يريده كذلك بعمله.

وإذ حكى الله فيما يمثل به حالها ويشير إلى منزلتها الخاصة في العبودية دعاء دعت به دل ذلك على أنه عنوان جامع لعبوديتها وعلى ذلك كانت تسير مدى حياتها ، والذي تتضمنه مسألتها أن يبني الله لها عنده بيتا في الجنة وينجيها من فرعون وعمله وينجيها من القوم الظالمين فقد اختارت جوار ربه والقرب منه على أن تكون أنيسة فرعون وعشيقته وهي ملكة مصر وآثرت بيتا يبنيه لها ربها على بيت فرعون الذي فيه مما تشتهيه الأنفس وتتمناه القلوب ما تقف دونه الآمال فقد كانت عزفت نفسها ما هي فيه من زينة الحياة الدنيا وهي لها خاضعة وتعلقت بما عند ربه من الكرامة والزلفى فآمنت بالغيب واستقامت على إيمانها حتى قضت.

وهذه القدم هي التي قدمتها إلى أن جعلها الله مثلا للذين آمنوا ولخص حالها وما كانت تبتغيه وتعمل له مدى حياتها في مسير العبودية في مسألة حكى عنها وما معناها إلا أنها انتزعت من كل ما يلهوها عن ربها ولاذت بربها تريد القرب منه تعالى والإقامة في دار كرامته.

فقوله:"امرأة فرعون"اسمها على ما في الرواية آسية ، وقوله:"إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة"الجمع بين كون البيت المبني لها عند الله وفي الجنة لكون الجنة دار القرب من الله وجوار رب العالمين كما قال تعالى:"بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: 169.

على أن الحضور عنده تعالى والقرب منه كرامة معنوية والاستقرار في الجنة كرامة صورية ، وسؤال الجمع بينهما سؤال الجمع بين الكرامتين.

وقوله:"و نجني من فرعون وعمله"تبر منها وسؤال أن ينجيها الله من شخص فرعون ومن عمله الذي تدعو ضرورة المصاحبة والمعاشرة إلى الشركة فيه والتلبس به ، وقيل: المراد بالعمل الجماع.

وقوله:"و نجني من القوم الظالمين"وهم قوم فرعون وهو تبر آخر وسؤال أن ينجيها الله من المجتمع العام كما أن الجملة السابقة كانت سؤال أن ينجيها من المجتمع الخاص.

قوله تعالى:"و مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا"إلخ ، عطف على امرأة فرعون والتقدير وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم إلخ.

ضربها الله مثلا باسمها وأثنى عليها ولم يذكر في كلامه تعالى امرأة باسمها غيرها ذكر اسمها في القرآن في بضع وثلاثين موضعا في نيف وعشرين سورة.

وقوله:"التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا"ثناء عليها على عفتها ، وقد تكرر في القرآن ذكر ذلك ولعل ذلك بإزاء ما افتعله اليهود من البهتان عليها كما قال تعالى:"و قولهم على مريم بهتانا عظيما": النساء: 156 ، وفي سورة الأنبياء في مثل القصة:"و التي أحصنت فرجها فنفخنا فيها": الأنبياء: 91.

وقوله:"و صدقت بكلمات ربها"أي بما تكلم به الله سبحانه من الوحي إلى أنبيائه كما قيل ، وقيل: المراد بها وعده تعالى ووعيده وأمره ونهيه ، وفيه أنه يستلزم كون ذكر الكتب مستدركا.

وقوله:"و كتبه"وهي المشتملة على شرائع الله المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل كما هو مصطلح القرآن ولعل المراد من تصديقها كلمات ربها وكتبه كونها صديقة كما في قوله تعالى:"ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة": المائدة: 75.

وقوله:"و كانت من القانتين"أي من القوم المطيعين لله الخاضعين له الدائمين عليه غلب فيه المذكر على المؤنث.

ويؤيد هذا المعنى كون القنوت بهذا المعنى واقعا فيما حكى الله من نداء الملائكة لها"يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين": آل عمران: 43 ، وقيل: يجوز أن يراد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت مريم منهم وكانوا أهل بيت صلاح وطاعة ، وهو بعيد لما تقدم.

على أن المناسب لكون المثل تعريضا لزوجي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يراد بالقانتين مطلق أهل الطاعة والخضوع لله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت