و في الكلام مع ذلك إشارة إلى أن المقصود بالذات من الخلقة هو إيصال الخير من الجزاء حيث ذكر حسن العمل وامتياز من جاء بأحسنه فالمحسنون عملا هم المقصودون بالخلقة وغيرهم مقصودون لأجلهم.
وقد ذيل الكلام بقوله:"و هو العزيز الغفور"فهو العزيز لأن الملك والقدرة المطلقين له وحده فلا يغلبه غالب وما أقدر أحدا على مخالفته إلا بلاء وامتحانا وسينتقم منهم وهو الغفور لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم في الدنيا وسيغفر كثيرا منها في الآخرة كما وعد.
وفي التذييل بالاسمين مع ذلك تخويف وتطميع على ما يدعو إلى ذلك سياق الدعوة.
واعلم أن مضمون الآية ليس مجرد دعوى خالية عن الحجة يراد به التلقين كما ربما يتوهم بل هي مقدمة قريبة من الضرورة - أو هي ضرورية - تستدعي الحكم بضرورة البعث للجزاء فإن الإنسان المتلبس بهذه الحياة الدنيوية الملحوقة للموت لا يخلو من أن يحصل له وصف حسن العمل أو خلافه وهو مجهز بحسب الفطرة بما لو لا عروض عارض السوء لساقه إلى حسن العمل ، وقلما يخلو إنسان من حصول أحد الوصفين كالأطفال ومن في حكمهم.
والوصف الحاصل المترتب على وجود الشيء الساري في أغلب أفراده غاية في وجوده مقصودة في إيجاده فكما أن الحياة النباتية لشجرة كذا إذ كانت تؤدي في الغالب إلى أثمارها ثمرة كذا يعد ذلك غاية لوجودها مقصودة منها كذلك حسن العمل والصلاح غاية لخلق الإنسان ، ومن المعلوم أيضا أن الصلاح وحسن العمل لو كان مطلوبا لكان مطلوبا لغيره لا لنفسه ، والمطلوب بالذات الحياة الطيبة التي لا يشوبها نقص ولا يعرضها لغو ولا تأثيم فالآية في معنى قوله:"كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة": الأنبياء: 35.
قوله تعالى:"الذي خلق سبع سماوات طباقا"إلخ ، أي مطابقة بعضها فوق بعض أو بعضها يشبه البعض - على ما احتمل - وقد مر في تفسير حم السجدة بعض ما يمكننا من القول فيها.
وقوله:"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"قال الراغب: الفوت بعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذر إدراكه ، قال تعالى:"و إن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار".
قال: والتفاوت الاختلاف في الأوصاف كأنه يفوت وصف أحدهما الآخر أو وصف كل واحد منهما الآخر ، قال تعالى:"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"أي ليس فيها ما يخرج عن مقتضى الحكمة.
انتهى.
فالمراد بنفي التفاوت اتصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث الغايات والمنافع المترتبة على تفاعل بعضها في بعض ، فاصطكاك الأسباب المختلفة في الخلقة وتنازعها كتشاجر كفتي الميزان وتصارعهما بالثقل والخفة والارتفاع والانخفاض فإنهما في عين أنهما تختلفان تنفقان في إعانة من بيده الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة.
فقد رتب الله أجزاء الخلقة بحيث تؤدي إلى مقاصدها من غير أن يفوت بعضها غرض بعض أو يفوت من بعضها الوصف اللازم فيه لحصول الغاية المطلوبة.
والخطاب في"ما ترى"خطاب عام لكل من يمكنه الرؤية وفي إضافة الخلق إلى الرحمن إشارة إلى أن الغاية منه هي الرحمة العامة ، وتنكير"تفاوت"وهو في سياق النفي وإدخال"من"عليه لإفادة العموم.
وقوله:"فارجع البصر هل ترى من فطور"الفطور الاختلال والوهي ، والمراد بإرجاع البصر النظر ثانيا وهو كناية عن المداقة في النظر والإمعان فيه.
قوله تعالى:"ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير"الخاسىء من خسأ البصر إذا انقبض عن مهانة كما قال الراغب ، وقال أيضا: الخاسر المعيا لانكشاف قواه ، ويقال للمعيا: حاسر ومحسور: أما الحاسر فتصور أنه بنفسه قد حسر قوته ، وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره ، وقوله عز وجل:"ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير"يصح أن يكون بمعنى حاسر وأن يكون بمعنى محسور.
انتهى.
وقوله:"كرتين"الكرة الرجعة والمراد بالتثنية التكثير والتكرير ، والمعنى: ثم ارجع البصر رجعة بعد رجعة أي رجعات كثيرة ينقلب إليك البصر منقبضة مهينة والحال أنه كليل معيا لم يجد فطورا.
فقد أشير في الآيتين إلى أن النظام الجاري في الكون نظام واحد متصل الأجزاء مرتبط الأبعاض.