فهرس الكتاب

الصفحة 4060 من 4314

قوله تعالى:"و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"يطلق السمع ويراد به إدراك الصوت والقول بالجارحة وربما يراد به ما هو الغاية منه عند العقلاء وهو الالتزام بمقتضاه من الفعل والترك ، ويطلق العقل على تمييز الخير من الشر والنافع من الضار ، وربما يراد به ما هو الغاية منه وهو الالتزام بمقتضاه من طلب الخير والنفع واجتناب الشر والضر ، قال تعالى:"لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل": الأعراف: 179.

وأكثر ما ينتفع بالسمع عامة الناس لقصورهم عن تعقل دقائق الأمور وإدراك حقيقتها والاهتداء إلى مصالحها ومفاسدها وإنما ينتفع بالعقل الخاصة.

فقوله:"لو كنا نسمع أو نعقل"أريد بالسمع استجابة دعوة الرسل والالتزام بمقتضى قولهم وهم النصحاء الأمناء ، وبالعقل الالتزام بمقتضى ما يدعون إليه من الحق بتعقله والاهتداء العقلي إلى أنه حق ومن الواجب أن يخضع الإنسان للحق.

وإنما قدم السمع على العقل لأن استعماله من شأن عامة الناس وهم الأكثرون والعقل شأن الخاصة وهم آحاد قليلون.

والمعنى: لو كنا في الدنيا نطيع الرسل في نصائحهم ومواعظهم أو عقلنا حجة الحق ما كنا اليوم في أصحاب السعير وهم مصاحبو النار المخلدون فيها.

وقيل: إنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل.

قوله تعالى:"فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير"كانوا إنما قالوا:"لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"ندامة على ما فرطوا في جنب الله وفوتوا على أنفسهم من الخير فاعترفوا بأن ما أتوا به كان تبعته دخول النار وكان عليهم أن لا يأتوا به ، وهذا هو الذنب فقد اعترفوا بذنبهم.

وإنما أفرد الذنب بناء على إرادة معنى المصدر منه وهو في الأصل مصدر.

وقوله:"فسحقا لأصحاب السعير"السحق تفتيت الشيء كما ذكره الراغب وهو دعاء عليهم.

قوله تعالى:"إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير"لما ذكر حال الكفار وما يجازون به على كفرهم قابلة بحال المؤمنين بالغيب لتمام التقسيم وذكر من وصفهم الخشية لأن المقام مقام الإنذار والوعيد.

وعد خشيتهم خشية بالغيب لكون ما آمنوا به محجوبا عنهم تحت حجب الغيب.

قوله تعالى:"و أسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور"رفع شبهة يمكن أن تختلج في قلوبهم مبنية على الاستبعاد وذلك أنه تعالى ساق الكلام في بيان ربوبيته لكل شيء المستتبعة للبعث والجزاء وذكر ملكه وقدرته المطلقين وخلقه وتدبيره ولم يذكر علمه المحيط بهم وبأحوالهم وأعمالهم وهو مما لا يتم البعث والجزاء بدونه.

وكان من الممكن أن يتوهموا أن الأعمال على كثرتها الخارجة عن الإحصاء لا يتأتى ضبطها وخاصة ما تكنه الصدور منها فإن الإنسان يقيس الأشياء بنفسه ويزنها بزنة نفسه وهو غير قادر على إحصاء جزئيات الأعمال التي هي حركات مختلفة متقضية وخاصة أعمال القلوب المستكنة في زواياها.

فدفعه بأن إظهار القول وإخفاءه سواء بالنسبة إليه تعالى فإنه عليم بذات الصدور ، والسياق يشهد أن المراد استواء خفايا الأعمال وجلاياها بالنسبة إليه ، وإنما ذكر أسرار القول وجهره من حيث ظهور معنى الخفاء والظهور فيه بالجهر والإسرار.

قوله تعالى:"أ لا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"استفهام إنكاري مأخوذ حجة على علمه تعالى بأعمال الخلق ظاهرها وباطنها وسرها وجهرها وذلك أن أعمال الخلق - ومن جملتها أعمال الإنسان الاختيارية - وإن نسبت إلى فواعلها لكن الله سبحانه هو الذي يريدها ويوجدها من طريق اختيار الإنسان واقتضاء سائر الأسباب فهو الخالق لأعيان الأشياء والمقدر لها آثارها كيفما كانت والرابط بينها وبين آثارها الموصل لها إلى آثارها ، قال تعالى:"الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل": الزمر: 62 ، وقال:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 ، فهو سبحانه محيط بعين من خلقه وأثره ومن أثره أعماله الظاهرة والباطنة وما أسره وما جهر به وكيف يحيط به ولا يعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت