فهرس الكتاب

الصفحة 4063 من 4314

و قوله:"فستعلمون كيف نذير"النذير مصدر بمعنى الإنذار والجملة متفرعة على ما يفهم من سابق الكلام من كفرهم بربوبيته تعالى وأمنهم من عذابه والمعنى ظاهر.

وقيل: النذير صفة بمعنى المنذر والمراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سخيف.

قوله تعالى:"و لقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير"المراد بالنكير العقوبة وتغيير النعمة أو الإنكار ، والآية كالشاهد يستشهد به على صدق ما في قوله:"فستعلمون كيف نذير"من الوعيد والتهديد.

والمعنى: ولقد كذب الذين من قبلهم من الأمم الهالكة رسلي وجحدوا بربوبيتي فكيف كان عقوبتي وتغييري النعمة عليهم أو كيف كان إنكاري ذلك عليهم حيث أهلكتهم واستأصلتهم.

وفي الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله:"من قبلهم"إشعارا بسقوطهم - لجهالتهم وإهمالهم في التدبر في آيات الربوبية وعدم مخافتهم من سخط ربهم - عن تشريف الخطاب فأعرض عن مخاطبتهم فيما يلقى إليهم من المعارف إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"أ ولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير"المراد بكون الطير فوقهم طيرانه في الهواء ، وصفيف الطير بسطه جناحه حال الطيران وقبضه قبض جناحه حاله ، والجمع في"صافات ويقبضن"لكون المراد بالطير استغراق الجنس.

وقوله:"ما يمسكهن إلا الرحمن"كالجواب لسؤال مقدر كان سائلا يسأل فيقول: ما هو المراد بإلفات نظرهم إلى صفيف الطير وقبضه فوقهم؟ فأجيب بقوله:"ما يمسكهن إلا الرحمن".

وقرار الطير حال الطيران في الهواء من غير سقوط وإن كان مستندا إلى أسباب طبيعية كقرار الإنسان على بسيط الأرض والسمك في الماء وسائر الأمور الطبيعية المستندة إلى علل طبيعية تنتهي إليه تعالى لكن لما كان بعض الحوادث غير ظاهر السبب للإنسان في بادي النظر سهل له إذا نظر إليه أن ينتقل إلى أن الله سبحانه هو السبب الأعلى الذي ينتهي إليه حدوثه ووجوده ، ولذا نبههم الله سبحانه في كلامه بإرجاع نظرهم إليها ودلالتهم على وحدانيته في الربوبية.

وقد ورد في كلامه تعالى شيء كثير من هذا القبيل كإمساك السماوات بغير عمد وإمساك الأرض وحفظ السفن على الماء واختلاف الأثمار والألوان والألسنة وغيرها مما كان سببه الطبيعي القريب خفيا في الجملة يسهل للذهن الساذج الانتقال إلى استناده إليه تعالى ثم إذا تنبه لوجود أسبابه القريبة بنوع من المجاهدة الفكرية وجد الحاجة بعينها في أسبابه حتى تنتهي إليه تعالى وأن إلى ربك المنتهى.

قال في الكشاف ،: فإن قلت: لم قيل: ويقبضن ولم يقل: وقابضات؟ قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في السباحة هو مد الأطراف وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح.

انتهى.

وهو مبني على أن تكون الآية هي مجموع قوله:"صافات ويقبضن"وهو الطيران ، ويمكن أن يستفاد أن الآية عدم سقوطهن وهن صافات ، وآية أخرى أنهن ربما يقبضن ولا يسقطن حينما يقبضن.

ولا يخفى ما في ذكر طيران الطير في الهواء بعد ذكر جعل الأرض ذلولا والإنسان على مناكبها من اللطف.

قوله تعالى:"أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور"توبيخ وتقريع لهم في اتخاذهم آلهة من دون الله لينصروهم ولذا التفت عن الغيبة إلى الخطاب فخاطبهم ليشتد عليهم التقريع.

وقوله:"أمن هذا الذي"إلخ ، معناه بل من الذي يشار إليه فيقال: هذا جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن أرادكم بسوء أو عذاب؟ فليس دون الله من ينصركم عليه ، وفيه إشارة إلى خطئهم في اتخاذ بعض خلق الله آلهة لينصروهم في النوائب وهم مملوكون لله لا يملكون لأنفسهم نفعا وضرا ولا لغيرهم.

وإذ لم يكن لهم جواب أجاب تعالى بقوله:"إن الكافرون إلا في غرور"أي أحاط بهم الغرور وغشيهم فخيل إليهم ما يدعون من ألوهية آلهتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت