و أما الروم فهي أيضا من أقدم الأمم وضعا للقوانين المدنية ، وضع القانون فيها أول ما وضع في حدود سنة أربعمائة قبل الميلاد ثم أخذوا في تكميله تدريجا ، وهو يعطي للبيت نوع استقلال في إجراء الأوامر المختصة به ، ولرب البيت وهو زوج المرأة وأبو أولادها نوع ربوبية كان يعبده لذلك أهل البيت كما كان يعبد هو من تقدمه من آبائه السابقين عليه في تأسيس البيت ، وكان له الاختيار التام والمشية النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت من زوجة وأولاد حتى القتل لو رأى أن الصلاح فيه ، ولا يعارضه في ذلك معارض ، وكانت النساء نساء البيت كالزوجة والبنت والأخت أردأ حالا من الرجال حتى الأبناء التابعين محضا لرب البيت ، فإنهن لم يكن أجزاء للاجتماع المدني فلا تسمع لهن شكاية ، ولا ينفذ منهن معاملة ، ولا تصح منهن في الأمور الاجتماعية مداخلة لكن الرجال أعني الإخوة والذكور من الأولاد حتى الأدعياء فإن التبني وإلحاق الولد بغير أبيه كان معمولا شائعا عندهم وكذا في يونان وإيران والعرب كان من الجائز أن يأذن لهم رب البيت في الاستقلال بأمور الحياة مطلقا لأنفسهم.
ولم يكن أجزاء أصيلة في البيت بل كان أهل البيت هم الرجال ، وأما النساء فتبع ، فكانت القرابة الاجتماعية الرسمية المؤثرة في التوارث ونحوها مختصة بما بين الرجال ، وأما النساء فلا قرابة بينهن أنفسهن كالأم مع البنت والأخت مع الأخت ، ولا بينهن وبين الرجال كالزوجين أو الأم مع الابن أو الأخت مع الأخ أو البنت مع الأب ولا توارث فيما لا قرابة رسمية ، نعم القرابة الطبيعية وهي التي يوجبها الاتصال في الولادة كانت موجودة بينهم ، وربما يظهر أثرها في نحو الازدواج بالمحارم ، وولاية رئيس البيت وربه لها.
وبالجملة كانت المرأة عندهم طفيلية الوجود تابعة الحياة في المجتمع المجتمع المدني والبيتي زمام حياتها وإرادتها بيد رب البيت من أبيها إن كانت في بيت الأب أو زوجها إن كانت في بيت الزوج أو غيرهما ، يفعل بها ربها ما يشاء ويحكم فيها ما يريد ، فربما باعها ، وربما وهبها ، وربما أقرضها للتمتع ، وربما أعطاها في حق يراد استيفاؤه منه كدين وخراج ونحوهما ، وربما ساسها بقتل أو ضرب أو غيرهما ، وبيده تدبير مالها إن ملكت شيئا بالازدواج أو الكسب مع إذن وليها لا بالإرث لأنها كانت محرومة منه ، وبيد أبيها أو واحد من سراة قومها تزويجها وبيد زوجها تطليقها.
وأما اليونان فالأمر عندهم في تكون البيوت وربوبية أربابها فيها كان قريب الوضع من وضع الروم.
فقد كان الاجتماع المدني وكذا الاجتماع البيتي عندهم متقوما بالرجال ، والنساء تبع لهم ، ولذا لم يكن لها استقلال في إرادة ولا فعل إلا تحت ولاية الرجال ، لكنهم.
جميعا ناقضوا أنفسهم بحسب الحقيقة في ذلك ، فإن قوانينهم الموضوعة كانت تحكم عليهن بالاستقلال ولا تحكم لهن إلا بالتبع إذا وافق نفع الرجال ، فكانت المرأة عندهم تعاقب بجميع جرائمها بالاستقلال ، ولا تثاب لحسناتها ولا تراعى جانبها إلا بالتبع وتحت ولاية الرجل.
وهذا بعينه من الشواهد الدالة على أن جميع هذه القوانين ما كانت تراها جزءا ضعيفا من المجتمع الإنساني ذات شخصية تبعية ، بل كانت تقدر أنها كالجراثيم المضرة مفسدة لمزاج الاجتماع مضرة بصحتها غير أن للمجتمع حاجة ضرورية إليها من حيث بقاء النسل ، فيجب أن يعتنى بشأنها ، وتذاق وبال أمرها إذا جنت أو أجرمت ، ويحتلب الرجال درها إذا أحسنت أو نفعت ، ولا تترك على حيال إرادتها صونا من شرها كالعدو القوي الذي يغلب فيؤخذ أسيرا مسترقا يعيش طول حياته تحت القهر ، أن جاء بالسيئة يؤاخذ بها وإن جاء بالحسنة لم يشكر لها.