قوله تعالى:"سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية"تسخيرها عليهم تسليطها عليهم ، والحسوم جمع حاسم كشهود جمع شاهد من الحسم بمعنى تكرار الكي مرات متتالية ، وهي صفة لسبع أي سبع ليال وثمانية أيام متتالية متتابعة وصرعى جمع صريع وأعجاز جمع عجز بالفتح فالضم آخر الشيء ، وخاوية الخالية الجوف الملقاة والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"فهل ترى لهم من باقية"أي من نفس باقية ، والجملة كناية عن استيعاب الهلاك لهم جميعا ، وقيل: الباقية مصدر بمعنى البقاء وقد أريد به البقية وما قدمناه من المعنى أقرب.
قوله تعالى:"و جاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة"المراد بفرعون فرعون موسى ، وبمن قبله الأمم المتقدمة عليه زمانا من المكذبين ، وبالمؤتفكات قرى قوم لوط والجماعة القاطنة بها ، و"خاطئة"مصدر بمعنى الخطاء والمراد بالمجيء بالخاطئة إخطاء طريق العبودية ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية"ضمير"عصوا"لفرعون ومن قبله والمؤتفكات ، والمراد بالرسول جنسه ، والرابية الزائدة من ربا يربو ربوة إذا زاد ، والمراد بالأخذة الرابية العقوبة الشديدة وقيل: العقوبة الزائدة على سائر العقوبات وقيل: الخارقة للعادة.
قوله تعالى:"إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية"إشارة إلى طوفان نوح والجارية السفينة ، وعد المخاطبين محمولين في سفينة نوح والمحمول في الحقيقة أسلافهم لكون الجميع نوعا واحدا ينسب حال البعض منه إلى الكل والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية"تعليل لحملهم في السفينة فضمير"لنجعلها"للحمل باعتبار أنه فعله أي فعلنا بكم تلك الفعلة لنجعلها لكم أمرا تتذكرون به وعبرة تعتبرون بها وموعظة تتعظون بها.
وقوله:"و تعيها أذن واعية"الوعي جعل الشيء في الوعاء ، والمراد بوعي الأذن لها تقريرها في النفس وحفظها فيها لترتب عليها فائدتها وهي التذكر والاتعاظ.
وفي الآية بجملتيها إشارة إلى الهداية الربوبية بكلا قسميها أعني الهداية بمعنى إراءة الطريق والهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب.
توضيح ذلك أن من السنة الربوبية العامة الجارية في الكون هداية كل نوع من أنواع الخليقة إلى كماله اللائق به بحسب وجوده الخاص بتجهيزه بما يسوقه نحو غايته كما يدل عليه قوله تعالى:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، وقوله:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 ، وقد تقدم توضيح ذلك في تفسير سورتي طه والأعلى وغيرهما.
والإنسان يشارك سائر الأنواع المادية في أن له استكمالا تكوينيا وسلوكا وجوديا نحو كماله الوجودي بالهداية الربوبية التي تسوقه نحو غايته المطلوبة ويختص من بينها بالاستكمال التشريعي فإن للنفس الإنسانية استكمالا من طريق أفعالها الاختيارية بما يلحقها من الأوصاف والنعوت وتتلبس به من الملكات والأحوال في الحياة الدنيا وهي غاية وجود الإنسان التي تعيش بها عيشة سعيدة مؤبدة.
وهذا هو السبب الداعي إلى تشريع السنة الدينية بإرسال الرسل وإنزال الكتب والهداية إليها"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165 ، وقد تقدم تفصيله في أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب وغيره ، وهذه هداية بمعنى إراءة الطريق وإعلام الصراط المستقيم الذي لا يسع الإنسان إلا أن يسلكه ، قال تعالى:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الدهر: 3 ، فإن لزم الصراط وسلكه حي بحياة طيبة سعيدة وإن تركه وأعرض عنه هلك بشقاء دائم وتمت عليه الحجة على أي حال ، قال تعالى:"ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة": الأنفال: 42.
إذا تقرر هذا تبين أن من سنة الربوبية هداية الناس إلى سعادة حياتهم بإراءة الطريق الموصل إليها ، وإليها الإشارة بقوله:"لنجعلها لكم تذكرة"فإن التذكرة لا تستوجب التذكر ممن ذكر بها بل ربما أثرت وربما تخلفت.