فهرس الكتاب

الصفحة 4084 من 4314

قوله تعالى:"يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"الظاهر أن المراد به العرض على الله كما قال تعالى:"و عرضوا على ربك صفا": الكهف: 48 ، والعرض إراءة البائع سلعته للمشتري ببسطها بين يديه ، فالعرض يومئذ على الله وهو يوم القضاء إبراز ما عند الإنسان من اعتقاد وعمل إبرازا لا يخفى معه عقيدة خافية ولا فعلة خافية وذلك بتبدل الغيب شهادة والسر علنا قال:"يوم تبلى السرائر": الطارق: 9 ، وقال:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء": المؤمن: 16.

وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن ما عد في كلامه تعالى من خصائص يوم القيامة كاختصاص الملك بالله ، وكون الأمر له ، وأن لا عاصم منه ، وبروز الخلق له وعدم خفاء شيء منهم عليه وغير ذلك ، كل ذلك دائمية الثبوت له تعالى ، وإنما المراد ظهور هذه الحقائق يومئذ ظهورا لا ستر عليه ولا مرية فيه.

فالمعنى: يومئذ يظهر أنكم في معرض على علم الله ويظهر كل فعلة خافية من أفعالكم.

قوله تعالى:"فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه"قال في المجمع ، هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم ، تقول للواحد: هاء يا رجل ، وللاثنين: هاؤما يا رجلان ، وللجماعة: هاؤم يا رجال ، وللمرأة: هاء يا امرأة بكسر الهمزة وليس بعدها ياء ، وللمرأتين: هاؤما ، وللنساء: هاؤن.

هذه لغة أهل الحجاز.

وتميم وقيس يقولون: هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز ، وللاثنين: هاءا ، وللجماعة: هاؤا ، وللمرأة: هائي ، وللنساء هاؤن.

وبعض العرب يجعل مكان الهمزة كافا فيقول: هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن ، ومعناه: خذ وتناول ، ويؤمر بها ولا ينهى.

انتهى.

والآية وما بعدها إلى قوله:"الخاطئون"بيان تفصيلي لاختلاف حال الناس يومئذ من حيث السعادة والشقاء ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"فمن أوتي كتابه بيمينه": إسراء: 71 كلام في معنى إعطاء الكتاب باليمين ، والظاهر أن قوله:"هاؤم اقرءوا كتابيه"خطاب للملائكة ، والهاء في"كتابيه"وكذا في أواخر الآيات التالية للوقف وتسمى هاء الاستراحة.

والمعنى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول للملائكة: خذوا واقرءوا كتابيه أي إنها كتاب يقضي بسعادتي.

قوله تعالى:"إني ظننت أني ملاق حسابيه"الظن بمعنى اليقين ، والآية تعليل لما يتحصل من الآية السابقة ومحصل التعليل إنما كان كتابي كتاب اليمين وقاضيا بسعادتي لأني أيقنت في الدنيا أني سألاقي حسابي فآمنت بربي وأصلحت عملي.

قوله تعالى:"فهو في عيشة راضية"أي يعيش عيشة يرضاها فنسبة الرضا إلى العيشة من المجاز العقلي.

قوله تعالى:"في جنة عالية - إلى قوله - الخالية"أي هو في جنة عالية قدرا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وقوله:"قطوفها دانية"القطوف جمع قطف بالكسر فالسكون وهو ما يجتنى من الثمر والمعنى: أثمارها قريبة منه يتناوله كيف يشاء.

وقوله:"كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية"أي يقال لهم: كلوا واشربوا من جميع ما يؤكل فيها وما يشرب حال كونه هنيئا لكم بما قدمتم من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا التي تقضت أيامها.

قوله تعالى:"و أما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه"وهؤلاء هم الطائفة الثانية وهم الأشقياء المجرمون يؤتون صحيفة أعمالهم بشمالهم وقد مر الكلام في معناه في سورة الإسراء ، وهؤلاء يتمنون أن لو لم يكونوا يؤتون كتابهم ويدرون ما حسابهم يتمنون ذلك لما يشاهدون من أليم العذاب المعد لهم.

قوله تعالى:"يا ليتها كانت القاضية"ذكروا أن ضمير"ليتها"للموتة الأولى التي ذاقها الإنسان في الدنيا.

والمعنى: يا ليت الموتة الأولى التي ذقتها كانت قاضية علي تقضي بعدمي فكنت انعدمت ولم أبعث حيا فأقع في ورطة العذاب الخالد وأشاهد ما أشاهد.

قوله تعالى:"ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية"كلمتا تحسر يقولهما حيث يرى خيبة سعيه في الدنيا فإنه كان يحسب أن مفتاح سعادته في الحياة هو المال والسلطان يدفعان عنه كل مكروه ويسلطانه على كل ما يحب ويرضى فبذل كل جهده في تحصيلهما وأعرض عن ربه وعن كل حق يدعى إليه وكذب داعيه فلما شاهد تقطع الأسباب وأنه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ذكر عدم نفع ماله وبطلان سلطانه تحسرا وتوجعا وما ذا ينفع التحسر؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت