فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 4314

فهذه جمل من أحوال المرأة في المجتمع الإنساني من أدواره المختلفة قبل الإسلام وزمن ظهوره ، آثرنا فيها الاختصار التام ، ويستنتج من جميع ذلك: أولا: أنهم كانوا يرونها إنسانا في أفق الحيوان العجم ، أو إنسانا ضعيف الإنسانية منحطا لا يؤمن شره وفساده لو أطلق من قيد التبعية ، واكتسب الحرية في حياته ، والنظر الأول أنسب لسيرة الأمم الوحشية والثاني لغيرهم ، وثانيا: أنهم كانوا يرون في وزنها الاجتماعي أنها خارجة من هيكل المجتمع المركب غير داخلة فيه ، وإنما هي من شرائطه التي لا غناء عنها كالمسكن لا غناء عن الالتجاء إليه ، أو أنها كالأسير المسترق الذي هي من توابع المجتمع الغالب ، ينتفع من عمله ولا يؤمن كيده على اختلاف المسلكين ، وثالثا: أنهم كانوا يرون حرمانها في عامة الحقوق التي أمكن انتفاعها منها إلا بمقدار يرجع انتفاعها إلى انتفاع الرجال القيمين بأمرها ، ورابعا: أن أساس معاملتهم معها فيما عاملوا هو غلبة القوي على الضعيف وبعبارة أخرى قريحة الاستخدام ، هذا في الأمم غير المتمدنة ، وأما الأمم المتمدنة فيضاف عندهم إلى ذلك ما كانوا يعتقدونه في أمرها: أنها إنسان ضعيف الخلقة لا تقدر على الاستقلال بأمرها ، ولا يؤمن شرها ، وربما اختلط الأمر اختلاطا باختلاف الأمم والأجيال.

ما ذا أبدعه الإسلام في أمرها

لا زالت بأجمعها ترى في أمر المرأة ما قصصناه عليك ، وتحبسها في سجن الذلة والهوان حتى صار الضعف والصغار طبيعة ثانية لها ، عليها نبتت لحمها وعظمها وعليها كانت تحيا وتموت ، وعادت ألفاظ المرأة والضعف والهوان كاللغات المترادفة بعد ما وضعت متباينة ، لا عند الرجال فقط بل وعند النساء - ومن العجب ذلك - ولا ترى أمة من الأمم وحشيها ومدنيها إلا وعندهم أمثال سائرة في ضعفها وهوان أمرها ، وفي لغاتهم على اختلاف أصولها وسياقاتها وألحانها أنواع من الاستعارة والكناية والتشبيه مربوطة بهذه اللفظة المرأة يقرع بها الجبان ، ويؤنب بها الضعيف ، ويلام بها المخذول المستهان والمستذل المنظلم ، ويوجد من نحو قول القائل: وما أدري وليت أخال أدري.

أ قوم آل حصن أم نساء.

مئات وألوف من النظم والنثر في كل لغة.

وهذا في نفسه كاف في أن يحصل للباحث ما كانت تعتقده الجامعة الإنسانية في أمر المرأة وإن لم يكن هناك ما جمعته كتب السير والتواريخ من مذاهب الأمم والملل في أمرها ، فإن الخصائل الروحية والجهات الوجودية في كل أمة تتجلى في لغتها وآدابها.

ولم يورث من السابقين ما يعتني بشأنها ويهم بأمرها إلا بعض ما في التوراة وما وصى به عيسى بن مريم (عليهما السلام) من لزوم التسهيل عليها والإرفاق بها.

وأما الإسلام أعني الدين الحنيف النازل به القرآن فإنه أبدع في حقها أمرا ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن بها قاطنوها ، وخالفهم جميعا في بناء بنية فطرية عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها ، وألغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقادا وما كانت تسير فيها سيرتها عملا.

أما هويتها: فإنه بين أن المرأة كالرجل إنسان وأن كل إنسان ذكرا أو أنثى فإنه إنسان يشترك في مادته وعنصره إنسانان ذكر وأنثى ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ، قال تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات - 13 ، فجعل تعالى كل إنسان مأخوذا مؤلفا من إنسانين ذكر وأنثى هما معا وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده ، وهو سواء كان ذكرا أو أنثى مجموع المادة المأخوذة منهما ، ولم يقل تعالى: مثل ما قاله القائل.

وإنما أمهات الناس أوعية.

ولا قال مثل ما قاله الآخر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا.

بنوهن أبناء الرجال الأباعد.

بل جعل تعالى كلا مخلوقا مؤلفا من كل.

فعاد الكل أمثالا ، ولا بيان أتم ولا أبلغ من هذا البيان ، ثم جعل الفضل في التقوى.

وقال تعالى:"أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض:"آل عمران - 195 ، فصرح أن السعي غير خائب والعمل غير مضيع عند الله وعلل ذلك بقوله: بعضكم من بعض فعبر صريحا بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وهو أن الرجل والمرأة جميعا من نوع واحد من غير فرق في الأصل والسنخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت