فهرس الكتاب

الصفحة 4112 من 4314

قوله تعالى:"و أنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا"الظن هو العلم اليقيني ، والأنسب أن يكون المراد بقوله:"لن نعجز الله في الأرض"إعجازه تعالى بالغلبة عليه فيما يشاء فيها وذلك بالإفساد في الأرض وإخلال النظام الذي يجري فيها فإن إفسادهم لو أفسدوا من القدر ، والمراد بقوله:"و لن نعجزه هربا"إعجازه تعالى بالهرب منه إذا طلبهم حتى يفوتوه فلا يقدر على الظفر بهم وقيل: المعنى لن نعجزه تعالى كائنين في الأرض ولن نعجزه هربا إلى السماء أي لن نعجزه لا في الأرض ولا في السماء هذا وهو كما ترى.

قوله تعالى:"و أنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا"المراد بالهدى القرآن باعتبار ما يتضمنه من الهدى ، والبخس النقص على سبيل الظلم ، والرهق غشيان المكروه.

والفاء في قوله:"فمن يؤمن"للتفريع وهو من تفريع العلة على المعلول لإفادة الحجة في إيمانهم بالقرآن من دون ريث ولا مهل.

ومحصل المعنى: أنا لما سمعنا القرآن الذي هو الهدى بادرنا إلى الإيمان به من دون مكث لأن من آمن به فقد آمن بربه ومن يؤمن بربه فلا يخاف نقصانا في خير أو غشيانا من مكروه حتى يكف عن المبادرة والاستعجال ويتروى في الإقدام عليه لئلا يقع في بخس أو رهق.

قوله تعالى:"و أنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا"المراد بالإسلام تسليم الأمر لله تعالى فالمسلمون المسلمون له الأمر المطيعون له فيما يريده ويأمر به ، والقاسطون هم المائلون إلى الباطل قال في المجمع ،: القاسط هو العادل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق ، انتهى.

والمعنى: أنا معشر الجن منقسمون إلى من يسلم لأمر الله مطيعين له ، وإلى من يعدل عن التسليم لأمر الله وهو الحق.

وقوله:"فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا"تحري الشيء توخيه وقصده ، والمعنى فالذين أسلموا فأولئك قصدوا إصابة الواقع والظفر بالحق.

قوله تعالى:"و أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا"فيعذبون بتسعرهم واشتعالهم بأنفسهم كالقاسطين من الإنس قال تعالى:"فاتقوا النار التي وقودها الناس": البقرة 26.

وقد عد كثير منهم قوله:"فمن أسلم فأولئك"- إلى قوله - لجهنم حطبا تتمة لكلام الجن يخاطبون به قومهم وقيل: إنه من كلامه تعالى يخاطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

قوله تعالى:"و أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه":"أن"مخففة من الثقيلة ، والمراد بالطريقة طريقة الإسلام ، والاستقامة عليها لزومها والثبات على ما تقتضيه من الإيمان بالله وآياته.

والماء الغدق الكثير منه ، ولا يبعد أن يستفاد من السياق أن قوله:"لأسقيناهم ماء غدقا"مثل أريد به التوسعة في الرزق ، ويؤيده قوله بعده:"لنفتنهم فيه".

والمعنى: وأنه لو استقاموا أي الجن والإنس على طريقة الإسلام لله لرزقناهم رزقا كثيرا لنمتحنهم في رزقهم فالآية في معنى قوله:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض": الأعراف 96.

والآية من كلامه تعالى معطوف على قوله في أول السورة:"أنه استمع"إلخ.

قوله تعالى:"و من يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا"العذاب الصعد هو الذي يتصعد على المعذب ويغلبه ، وقيل: هو العذاب الشاق.

والإعراض عن ذكر الله لازم عدم الاستقامة على الطريقة وهو الأصل في سلوك العذاب ، ولذا وضع موضعه ليدل على السبب الأصلي في دخول النار.

وهو الوجه أيضا في الالتفات عن التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله:"ذكر ربه"وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ذكرنا وذلك أن صفة الربوبية هي المبدأ الأصلي لتعذيب المعرضين عن ذكره تعالى فوضعت موضع ضمير المتكلم مع الغير ليدل على المبدإ الأصلي كما وضع الإعراض عن الذكر موضع عدم الاستقامة ليدل على السبب.

قيل: وقوله:"يسلكه"مضمن معنى يدخله ولذا عدي إلى المفعول الثاني ، والمعنى ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت