و الجملة تعليل لسلوك الرصد بين يدي الرسول ومن خلفه ، والمعنى ليتحقق إبلاغ رسالات ربهم أي لتبلغ الناس رسالاته تعالى على ما هي عليه من غير تغير وتبدل.
ومن المحتمل أن يرجع ضميرا"بين يديه ومن خلفه"إلى"غيبه"فيكون الرصد الحرس مسلوكين بين يدي الغيب النازل ومن خلفه إلى أن يبلغ الرسول ، ويضعفه أنه لا يلائم قوله:"ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم"بالمعنى الذي تقدم لعدم استلزام بلوغ الغيب للرسول سليما من تعرض الشياطين حصول العلم بإبلاغه إلى الناس.
وإلى هذا المعنى يرجع قول بعضهم إن الضميرين يرجعان إلى جبريل حامل الوحي.
ويضعفه مضافا إلى ما مر عدم سبق ذكره.
وقيل: ضمير ليعلم للرسول وضميرا"قد أبلغوا"و"ربهم"للملائكة الرصد والمعنى يرصد الملائكة الوحي ويحرسونه ليعلم الرسول أن الملائكة قد أبلغوا إليه الوحي كما صدر فتطمئن نفسه أنه سليم من تعرض الشياطين فإن لازم العلم بإبلاغهم إياه العلم ببلوغه.
ويبعده أن ظاهر السياق - ويؤيده سبق ذكر الرسول - أن المراد بالرسالات الرسالات التي حملها الرسول ليبلغها إلى الناس لا ما حملها ملك الوحي فضمير"ربهم"للرسل دون الملائكة ، على أن الآية تشير إلى الملائكة بعنوان الرصد وهو غير عنوان الرسالة وشأن الرصد الحفظ والحراسة دون الرسالة.
وقيل: المعنى ليعلم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم ، وهو وجه سخيف لا دليل عليه ، وأسخف منه ما قيل: إن المعنى ليعلم مكذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم إليهم.
وقوله:"و أحاط بما لديهم"ضمير الجمع للرسل بناء على ما تقدم من المعنى والظاهر أن الجملة متممة لمعنى الحراسة المذكورة سابقا فقوله:"من بين يديه"يشير إلى رصد ما بين الرسول والمرسل إليهم ، وقوله:"و من خلفه"إلى حفظ ما بينه ومصدر الوحي ، وقوله:"و أحاط بما لديهم"يشير إلى ظرف نفس الرسول والإحاطة إحاطة علمية فالوحي في أمن من تطرق التغيير والتبديل فيما بين مصدر الوحي والرسول وفي نفس الرسول وفي ما بين الرسول والمرسل إليهم.
ويمكن أن يكون المراد بما لديهم جميع ما له تعلق ما بالرسل أعم من مسير الوحي أو أنفسهم كما أن قوله:"و أحصى كل شيء عددا"مسوق لإفادة عموم العلم بالأشياء غير أنه العلم بعددها وتميز بعضها من بعض.
فقد تبين مما مر في الآيات الثلاث: أولا: أن اختصاصه تعالى بعلم الغيب على نحو الأصالة بالمعنى الذي أوضحناه فهو تعالى يعلم الغيب بذاته وغيره يعلمه بتعليم منه.
وبه يظهر أن ما حكي في كلامه تعالى من إنكارهم العلم بالغيب أريد به نفي الأصالة والاستقلال دون ما كان بوحي كقوله تعالى:"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب": الأنعام: 50 ، وقوله:"و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير": الأعراف: 188 وقوله:"قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أن أتبع إلا ما يوحى إلي": الأحقاف: 9.
وثانيا: أن عموم قوله:"فلا يظهر على غيبه أحدا"لما خصص بقوله:"إلا من ارتضى من رسول"عاد عاما مخصصا لا يأبى تخصيصا بمخصص آخر كما في مورد الأنبياء فإن الآيات القرآنية تدل على أنهم يوحى إليهم كقوله:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء: 163 وتدل على أن الوحي من الغيب فالنبي ينال الغيب كما يناله الرسول هذا على تقدير أن يكون المراد بالرسول في الآية ما يقابل النبي وأما لو أريد مطلق من أرسله الله إلى الناس والنبي ممن أرسله الله إليهم كما يشهد به قوله:"و ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي"الآية: الحج: 52 ، وقوله:"و ما أرسلنا في قرية من نبي": الأعراف: 94 فالنبي خارج من عموم النفي من غير تخصيص جديد.
وكذا في مورد الإمام بالمعنى الذي يستعمله فيه القرآن فإنه تعالى يصفه بالصبر واليقين كما في قوله:"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون": الم السجدة 24 ويعرفهم بانكشاف الغطاء لهم كما في قوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75 ، وقوله:"كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم": التكاثر: 6 وقد تقدم كلام في ذلك في بعض المباحث السابقة.