و إذ كان من ثقل القرآن ثقله من حيث التحقق بحقائقه ومن حيث استجابته فيما يندب إليه من الشرائع والأحكام فهو ثقيل على الأمة كما هو ثقيل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعنى الآية إنا سنوحي إليك قولا يثقل عليك وعلى أمتك أما ثقله عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما في التحقق بحقائقه من الصعوبة ولما فيه من محنة الرسالة وما يتبعها من الأذى في جنب الله وترك الراحة والدعة ومجاهدة النفس والانقطاع إلى الله مضافا إلى ما في تلقيه من مصدر الوحي من الجهد ، وأما ثقله على أمته فلأنهم يشاركونه (صلى الله عليه وآله وسلم) في لزوم التحقق بحقائقه واتباع أوامره ونواهيه ورعاية حدوده كل طائفة منهم على قدر طاقته.
وللقوم في معنى ثقل القرآن أقوال أخر: منها: أنه ثقيل بمعنى أنه عظيم الشأن متين رصين كما يقال: هذا كلام له وزن إذا كان واقعا موقعه.
ومنها: أنه ثقيل في الميزان يوم القيامة حقيقة أو مجازا بمعنى كثرة الثواب عليه.
ومنها: أنه ثقيل على الكفار والمنافقين بما له من الإعجاز وبما فيه من الوعيد.
ومنها: أن ثقله كناية عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقيل من شأنه أن يبقى ويثبت في مكانه.
ومنها: غير ذلك والوجوه المذكورة وإن كانت لا بأس بها في نفسها لكن ما تقدم من الوجه هو الظاهر السابق إلى الذهن.
قوله تعالى:"إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا"الآية الأولى في مقام التعليل لاختيار الليل وقتا لهذه الصلاة ، والآية الثانية في مقام التعليل لترك النهار والإعراض عنه كما أن الآية السابقة أعني قوله:"إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا"في مقام التعليل لتشريع أصل هذه الصلاة.
فقوله:"إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا"الناشئة إما مصدر كالعاقبة والعافية بمعنى النشأة وهي الحدوث والتكون ، وإما اسم فاعل من النشأة مضاف إلى موصوفه وكيف كان فالمراد بها الليل وإطلاق الحادثة على الليل كإطلاقها على سائر أجزاء الخلقة وربما قيل: إنها الصلاة في الليل ووطء الأرض وضع القدم عليها ، وكونها أشد وطأ كناية عن كونها أثبت قدما لصفاء النفس وعدم تكدرها بالشواغل النهارية وقيل: الوطء مواطاة القلب اللسان وأيد بقراءة"أشد وطأ"والمراد بكونها أقوم قيلا كونها أثبت قولا وأصوب لحضور القلب وهدوء الأصوات.
والمعنى أن حادثة الليل أو الصلاة في الليل هي أثبت قدما - أو أشد في مواطاة القلب اللسان وأثبت قولا وأصوب لما أن الله جعل الليل سكنا يستتبع انقطاع الإنسان عن شواغل المعيشة إلى نفسه وفراغ باله.
وقوله:"إن لك في النهار سبحا طويلا"السبح المشي السريع في الماء والسبح الطويل في النهار كناية عن الغور في مهمات المعاش وأنواع التقلب في قضاء حوائج الحياة.
والمعنى أن لك في النهار مشاغل كثيرة تشتغل بها مستوعبة لا تدع لك فراغا تشتغل فيه بالتوجه التام إلى ربك والانقطاع إليه بذكره فعليك بالليل والصلاة فيه.
وقيل: المعنى أن لك في النهار فراغا لنومك وتدبير أمر معاشك والتصرف في حوائجك فتهجد في الليل.
وقيل: المعنى أن لك في النهار فراغا فإن فاتك من الليل شيء أمكنك أن تتداركه في النهار وتقضيه فيه فالآية في معنى قوله:"و هو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا": الفرقان: 62.
والذي قدمناه من المعنى أنسب للمقام.
قوله تعالى:"و اذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا"الظاهر أنه يصف صلاة الليل فهو كالعطف التفسيري على قوله:"و رتل القرآن ترتيلا"وعلى هذا فالمراد بذكر اسم الرب تعالى الذكر اللفظي بمواطاة من القلب وكذا المراد بالتبتل التبتل مع اللفظ.
وقيل: الآية تعميم بعد التخصيص والمراد بالذكر دوام ذكره تعالى ليلا ونهارا على أي وجه كان من تسبيح وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك ، وإنما فسر الذكر بالدوام لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينسه تعالى حتى يؤمر بذكره ، والمراد الدوام العرفي دون الحقيقي لعدم إمكانه.
انتهى.