فهرس الكتاب

الصفحة 4124 من 4314

قوله تعالى:"و اصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا"معطوف هو وما بعده على مدخول الفاء في قوله:"فاتخذه وكيلا"فالمعنى اتخذه وكيلا ولازم اتخاذه وكيلا أن تصبر على ما يقولون مما فيه إيذاؤك والاستهزاء بك ورميك بما ليس فيك كقولهم: افترى على الله ، كاهن شاعر ، مجنون ، أساطير الأولين وغير ذلك مما يقصه القرآن.

وأن تهجرهم هجرا جميلا ، والمراد بالهجر الجميل على ما يعطيه السياق أن يعاملهم بحسن الخلق والدعوة إلى الحق بالمناصحة ، ولا يواجه قولهم بما في وسعه من المقابلة بالمثل ، والآية لا تدافع آية القتال فلا وجه لقول من قال: إنها منسوخة بآية القتال.

قوله تعالى:"و ذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا"تهديد للكفار يقال: دعني وفلانا وذرني وفلانا أي لا تحل بيني وبينه حتى أنتقم منه.

والمراد بالمكذبين أولي النعمة الكفار المذكورون في الآية السابقة أو رؤساؤهم المتبوعون ، والجمع بين توصيفهم بالمكذبين وتوصيفهم بأولي النعمة للإشارة إلى علة ما يهددهم به من العذاب فإن تكذيبهم بالدعوة الإلهية وهم متنعمون بنعمة ربهم كفران منهم بالنعمة وجزاء الكفران سلب النعمة وتبديلها من النقمة.

والمراد بالقليل الذي يمهلونه الزمان القليل الذي يمكثون في الأرض حتى يرجعوا إلى ربهم فيحاسبهم ويجازيهم قال تعالى:"إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا": المعارج: 7 ، وقال:"متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد": آل عمران 197.

والآية بظاهرها عامة ، وقيل: وعيد لهم بوقعة بدر وليس بظاهر ، وفي الآية التفات عن الغيبة في"ربك"إلى التكلم وحده في"ذرني"ولعل الوجه فيه تشديد التهديد بنسبة الأمر إليه سبحانه نفسه ثم التفت في قوله:"إن لدينا"إلى التكلم مع الغير للدلالة على العظمة.

قوله تعالى:"إن لدينا أنكالا وجحيما"تعليل لقوله"ذرني"إلخ والأنكال القيود ، قال الراغب يقال: نكل عن الشيء ضعف وعجز ، ونكلته قيدته والنكل - بالكسر فالسكون - قيد الدابة وحديدة اللجام لكونهما مانعين ، والجمع الأنكال انتهى ، وقال: الجحمة شدة تأجج النار ومنه الجحيم ، انتهى.

قوله تعالى:"و طعاما ذا غصة وعذابا أليما"قال في المجمع ،: الغصة تردد اللقمة في الحلق ولا يسيغها آكلها يقال: غص بريقه يغص غصصا ، وفي قلبه غصة من كذا وهي كاللدغة التي لا يسوغ معها الطعام والشراب ، انتهى.

والآيتان تذكران نقم الآخرة التي بدلت منها نعم الدنيا جزاء لكفرانهم بنعم الله.

قوله تعالى:"يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا"ظرف للعذاب الموعود في الآيتين السابقتين ، قال الراغب ،: الرجف الاضطراب الشديد يقال: رجفت الأرض والبحر انتهى.

وفي المجمع ،: الكثيب الرمل المجتمع الكثير ، وهلت أهيله هيلا فهو مهيل إذا حرك أسفله فسال أعلاه انتهى ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى:"إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا"إنذار للمكذبين أولي النعمة من قومه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما أوعد مطلق المكذبين أولي النعمة بما أعد لهم من العذاب يوم القيامة بقياس حالهم إلى حال فرعون المستكبر على الله ورسوله المستذل لرسول الله ومن آمن معه من قومه ثم قرع أسماعهم بما انتهى إليه أمر فرعون من أخذ الله له أخذا وبيلا فليتعظوا وليأخذوا حذرهم.

وفي الآية التفات عن الغيبة إلى الخطاب كان المتكلم لما أوعدهم بالعذاب على الغيبة هاج به الوجد على أولئك المكذبين بما يلقون أنفسهم بأيديهم إلى الهلاك الأبدي لسفاهة رأيهم فشافههم بالإنذار ليرتفع عن أنفسهم أي شك وترديد وتتم عليهم الحجة ولعلهم يتقون ، ولذا عقب قياسهم إلى فرعون وقياس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى موسى (عليه السلام) والإشارة إلى عقابه أمر فرعون بقوله"فكيف تتقون إن كفرتم يوما"إلخ.

فقوله:"إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم"إشارة إلى تصديق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبله تعالى وشهادته على أعمالهم بتحملها في الدنيا وتأديتها يوم القيامة ، وقد تقدم البحث عن معنى شهادة الأعمال في الآيات المشتملة عليها مرارا ، وفي الإشارة إلى شهادته (صلى الله عليه وآله وسلم) نوع زجر لهم عن عصيانه ومخالفته وتكذيبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت