و من هنا يظهر الجواب عما أورد على القول بأن تقديم"إلى ربها"على"ناظرة"يفيد الحصر والاختصاص ، إن من الضروري أنهم ينظرون إلى غيره تعالى كنعم الجنة.
والجواب أ لما لم يحجبوا عن ربهم كان نظرهم إلى كل ما ينظرون إليه إنما هو بما أنه آية ، والآية بما أنها آية لا تحجب ذا الآية ولا تحول بينه وبين الناظر إليه فالنظر إلى الآية نظر إلى ذي الآية فهؤلاء لا ينظرون في الحقيقة إلا إلى ربهم.
وأما ما أجيب به عنه أن تقديم"إلى ربها"لرعاية الفواصل ولو سلم أنه للاختصاص فالنظر إلى غيره في جنب النظر إليه لا يعد نظرا ، ولو سلم فالنظر إليه تعالى في بعض الأحوال لا في جميعها.
فلا يخلو من تكلف التقييد من غير مقيد على أنه أسند النظر إلى الوجوه لا إلى العيون أو الأبصار ووجوه أهل الجنة إلى ربهم دائما من غير أن يواجهوا بها غيره.
قوله تعالى:"و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة"فسر البسور بشدة العبوس والظن بالعلم و"فاقرة"صفة محذوفة الموصوف أي فعله فاقرة ، والفاقرة من فقره إذا أصاب فقار ظهره ، وقيل: من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار.
والمعنى: ووجوه يومئذ شديدة العبوس تعلم أنه يفعل بها فعلة تقصم ظهورها أو تسم أنوفها بالنار ، واحتمل أن يكون تظن خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه سامع والظن بمعناه المعروف.
قوله تعالى:"كلا إذا بلغت التراقي"ردع عن حبهم العاجلة وإيثارها على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك فليس يدوم عليكم وسينزل عليكم الموت فتساقون إلى ربكم وفاعل"بلغت"محذوف يدل عليه السياق كما في قوله تعالى:"فلو لا إذا بلغت الحلقوم": الواقعة: 83 والتقدير إذا بلغت النفس التراقي.
والتراقي العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال جمع ترقوة ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و قيل من راق"اسم فاعل من الرقى أي قال من حضره من أهله وأصدقائه من يرقيه ويشفيه؟ كلمة يأس ، وقيل: المعنى قال بعض الملائكة لبعض: من يرقى بروحه من الملائكة أ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟.
قوله تعالى:"و ظن أنه الفراق"أي وعلم الإنسان المحتضر من مشاهدة هذه الأحوال أنه مفارقته للعاجلة التي كان يحبها ويؤثرها على الآخرة.
قوله تعالى:"و التفت الساق بالساق"ظاهره أن المراد به التفاف ساق المحتضر بساقه ببطلان الحياة السارية في أطراف البدن عند بلوغ الروح التراقي.
وقيل: المراد به التفاف شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا ، وقيل: التفاف حال الموت بحال الحياة ، وقيل: التفاف ساق الدنيا وهي شدة كرب الموت بساق الآخرة وهي شدة هول المطلع.
ولا دليل من جهة اللفظ على شيء من هذه المعاني نعم من الممكن أن يقال: إن المراد بالتفاف الساق بالساق غشيان الشدائد وتعاقبها عليه واحدة بعد أخرى من حينه ذلك إلى يوم القيامة فينطبق على كل من المعاني.
قوله تعالى:"إلى ربك يومئذ المساق"المساق مصدر ميمي بمعنى السوق ، والمراد بكون السوق يومئذ إليه تعالى أنه الرجوع إليه ، وعبر بالمساق للإشارة إلى أن لا خيرة للإنسان في هذا المسير ولا مناص له عنه فهو مسوق مسير من يوم موته وهو قوله ،"إلى ربك يومئذ المساق"حتى يرد على ربه يوم القيامة وهو قوله:"إلى ربك يومئذ المستقر"ولو كان تقديم"إلى ربك"لإفادة الحصر أفاد انحصار الغاية في الرجوع إليه تعالى.
وقيل: الكلام على تقدير مضاف وتقديم"إلى ربك"لإفادة الحصر والتقدير إلى حكم ربك يومئذ المساق أي يساق ليحكم الله ويقضي فيه بحكمه ، أو التقدير إلى موعد ربك وهو الجنة والنار ، وقيل: المراد برجوع المساق إليه تعالى أنه تعالى هو السائق لا غير ، والوجه ما تقدم.
قوله تعالى:"فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى"الضمائر راجعة إلى الإنسان المذكور في قوله:"أ يحسب الإنسان"إلخ ، والمراد بالتصديق المنفي تصديق الدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن الكريم ، وبالتصلية المنفية التوجه العبادي إليه تعالى بالصلاة التي هي عمود الدين.
والتمطي - على ما في المجمع ، - تمدد البدن من الكسل وأصله أن يلوي مطاه أي ظهره ، والمراد بتمطيه في ذهابه التبختر والاختيال استعارة.