و قيل: المراد بها الرياح ينشرها الله تعالى بين يدي رحمته وقيل: الرياح الناشرة للسحاب ، وقيل: الملائكة الناشرين لصحائف الأعمال ، وقيل: الملائكة نشروا أجنحتهم حين النزول وقيل: غير ذلك.
قوله تعالى"فالفارقات فرقا"المراد به الفرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام ، والفرق المذكور صفة متفرعة على النشر المذكور.
قوله تعالى:"فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا"المراد بالذكر القرآن يقرءونه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مطلق الوحي النازل على الأنبياء المقرو عليهم.
والصفات الثلاث أعني النشر والفرق وإلقاء الذكر مترتبة فإن الفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام يتحقق بنشر الصحف وإلقاء الذكر فبالنشر يشرع الفرق في التحقق وبالتلاوة يتم تحققه فالنشر يترتب عليه مرتبة من وجود الفرق ويترتب عليها تمام وجوده بالإلقاء.
وقوله:"عذرا أو نذرا"هما من المفعول له و"أو"للتنويع قيل: هما مصدران بمعنى الإعذار والإنذار ، والإعذار الإتيان بما يصير به معذورا والمعنى أنهم يلقون الذكر لتكون عذرا لعباده المؤمنين بالذكر وتخويفا لغيرهم.
وقيل: ليكون عذرا يعتذر به الله إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة ، ويئول إلى إتمام الحجة ، فمحصل المعنى عليه أنهم يلقون الذكر ليكون إتماما للحجة على المكذبين وتخويفا لغيرهم ، وهو معنى حسن.
قوله تعالى:"إنما توعدون لواقع"جواب القسم ، وما موصولة والخطاب لعامة البشر ، والمراد بما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب والواقع أبلغ من الكائن لما فيه من شائبة الاستقرار ، والمعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث والعقاب والثواب سيتحقق لا محالة.
كلام في إقسامه تعالى في القرآن
من لطيف صنعة البيان في هذه الآيات الست أنها مع ما تتضمن الإقسام لتأكيد الخبر الذي في الجواب تتضمن الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء الموعود فإن التدبير الربوبي الذي يشير إليه القسم أعني إرسال المرسلات العاصفات ونشرها الصحف وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي تدبير لا يتم إلا مع وجود التكليف الإلهي والتكليف لا يتم إلا مع تحتم وجود يوم معد للجزاء يجازى فيه العاصي والمطيع من المكلفين.
فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هو بعينه حجة على وقوعه كأنه قيل: أقسم بهذه الحجة أن مدلولها واقع.
وإذا تأملت الموارد التي أورد فيها القسم في كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت المقسم به فيها حجة دالة على حقية الجواب كقوله تعالى في الرزق:"فورب السماء والأرض إنه لحق": الذاريات: 23 فإن ربوبية السماء والأرض هي المبدأ لرزق المرزوقين ، وقوله:"لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون": الحجر: 72 فإن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة المصونة بعصمة من الله دالة على سكرهم وعمههم ، وقوله:"و الشمس وضحاها - إلى أن قال - ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10 فإن هذا النظام المتقن المنتهي إلى النفس الملهمة المميزة لفجورها وتقواها هو الدليل على فلاح من زكاها وخيبة من دساها.
وعلى هذا النسق سائر ما ورد من القسم في كلامه تعالى وإن كان بعضها لا يخلو من خفاء يحوج إلى إمعان من النظر كقوله:"و التين والزيتون وطور سينين": التين: 2 وعليك بالتدبر فيها.
قوله تعالى:"فإذا النجوم طمست - إلى قوله - أقتت"بيان لليوم الموعود الذي أخبر بوقوعه في قوله:"إنما توعدون لواقع"وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله:"لأي يوم أجلت - إلى قوله - للمكذبين".
وقد عرف سبحانه اليوم الموعود بذكر حوادث واقعة تلازم انقراض العالم الإنساني وانقطاع النظام الدنيوي كانطماس النجوم وانشقاق الأرض واندكاك الجبال وتحول النظام إلى نظام آخر يغايره ، وقد تكرر ذلك في كثير من السور القرآنية وخاصة السور القصار كسورة النبإ والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والفجر والزلزال والقارعة ، وغيرها ، وقد عدت الأمور المذكورة فيها في الأخبار من أشراط الساعة.