و المحصل من سياق الآيات الثلاث وما يتلوها أنهم لما سمعوا ما ينذرهم به القرآن من أمر البعث والجزاء يوم الفصل ثقل عليهم ذلك فغدوا يسأل بعضهم بعضا عن شأن هذا النبإ العجيب الذي لم يكن مما قرع أسماعهم حتى اليوم ، وربما راجعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين وسألوهم عن صفة اليوم وأنه متى هذا الوعد إن كنتم صادقين وربما كانوا يراجعون في بعض ما قرع سمعهم من حقائق القرآن واحتوته دعوته الجديدة أهل الكتاب وخاصة اليهود ويستمدونهم في فهمه.
وقد أشار تعالى في هذه السورة إلى قصة تساؤلهم في صورة السؤال والجواب فقال:"عم يتساءلون"وهو سؤال عما يتساءلون عنه.
ثم قال:"عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون"وهو جواب السؤال عما يتساءلون عنه.
ثم قال:"كلا سيعلمون"إلخ ، وهو جواب عن تساؤلهم.
وللمفسرين في مفردات الآيات الثلاث وتقرير معانيها وجوه كثيرة تركناها لعدم ملاءمتها السياق والذي أوردناه هو الذي يعطيه السياق.
قوله تعالى:"كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون"ردع عن تساؤلهم عنه بانين ذلك على الاختلاف في النفي أي ليرتدعوا عن التساؤل لأنه سينكشف لهم الأمر بوقوع هذا النبإ فيعلمونه ، وفي هذا التعبير تهديد كما في قوله:"و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون": الشعراء: 227.
وقوله:"ثم كلا سيعلمون"تأكيد للردع والتهديد السابقين ولحن التهديد هو القرينة على أن المتسائلين هم المشركون النافون للبعث والجزاء دون المؤمنين ودون المشركين والمؤمنين جميعا.
قوله تعالى:"أ لم نجعل الأرض مهادا"الآية إلى تمام إحدى عشرة آية مسوق سوق الاحتجاج على ثبوت البعث والجزاء وتحقق هذا النبإ العظيم ولازم ثبوته صحة ما في قوله:"سيعلمون"من الإخبار بأنهم سيشاهدونه فيعلمون.
تقرير الحجة: أن العالم المشهود بأرضه وسمائه وليله ونهاره والبشر المتناسلين والنظام الجاري فيها والتدبير المتقن الدقيق لأمورها من المحال أن يكون لعبا باطلا لا غاية لها ثابتة باقية فمن الضروري أن يستعقب هذا النظام المتحول المتغير الدائر إلى عالم ذي نظام ثابت باق ، وأن يظهر فيه أثر الصلاح الذي تدعو إليه الفطرة الإنسانية والفساد الذي ترتدع عنه ، ولم يظهر في هذا العالم المشهود أعني سعادة المتقين وشقاء المفسدين ، ومن المحال أن يودع الله الفطرة دعوة غريزية أو ردعا غريزيا بالنسبة إلى ما لا أثر له في الخارج ولا حظ له من الوقوع فهناك يوم يلقاه الإنسان ويجزي فيه على عمله إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
فالآيات في معنى قوله تعالى"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28.
وبهذا البيان يثبت أن هناك يوما يلقاه الإنسان ويجزي فيه بما عمل إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا فليس للمشركين أن يختلفوا فيه فيشك فيه بعضهم ويستبعده طائفة ، ويحيله قوم ، ولا يؤمن به مع العلم به عنادا آخرون ، فاليوم ضروري الوقوع والجزاء لا ريب فيه.
ويظهر من بعضهم أن الآيات مسوقة لإثبات القدرة وأن العود يماثل البدء والقادر على الإبداء قادر على الإعادة ، وهذه الحجة وإن كانت تامة وقد وقعت في كلامه تعالى لكنها حجة على الإمكان دون الوقوع والسياق فيما نحن فيه سياق الوقوع دون الإمكان فالأنسب في تقريرها ما تقدم.
وكيف كان فقوله:"أ لم نجعل الأرض مهادا"الاستفهام للإنكار ، والمهاد الوطاء والقرار الذي يتصرف فيه ، ويطلق على البساط الذي يجلس عليه والمعنى قد جعلنا الأرض قرارا لكم تستقرون عليها وتتصرفون فيها.
قوله تعالى:"و الجبال أوتادا"الأوتاد جمع وتد وهو المسمار إلا أنه أغلظ منه كما في المجمع ، ولعل عد الجبال أوتادا مبني على أن عمدة جبال الأرض من عمل البركانات بشق الأرض فتخرج منه مواد أرضية مذابة تنتصب على فم الشقة متراكمة كهيئة الوتد المنصوب على الأرض تسكن به فورة البركان الذي تحته فيرتفع به ما في الأرض من الاضطراب والميدان.
وعن بعضهم: أن المراد بجعل الجبال أوتادا انتظام معاش أهل الأرض بما أودع فيها من المنافع ولولاها لمادت الأرض بهم أي لما تهيأت لانتفاعهم.