فهرس الكتاب

الصفحة 4180 من 4314

نعم ينتهي تسييرها إلى انعدامها وبطلان كينونتها وحقيقتها بمعنى كونها جبلا فالجبال الراسيات التي كانت ترى حقائق ذوات كينونة قوية لا تحركه العواصف تتبدل بالتسيير سرابا باطلا لا حقيقة له ، ونظيره من كلامه تعالى قوله في أقوام أهلكهم وقطع دابرهم ،"فجعلناهم أحاديث": سبأ: 19 وقوله:"فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث": المؤمنون: 44 ، وقوله في الأصنام"إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم": النجم: 23.

فالآية بوجه كقوله تعالى"و ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب": النمل: 88 - بناء على كونه ناظرا إلى صفة زلزلة الساعة -.

قوله تعالى:"إن جهنم كانت مرصادا"قال في المفردات ،: الرصد الاستعداد للترقب - إلى أن قال - والمرصد موضع الرصد قال تعالى:"و اقعدوا لهم كل مرصد"والمرصاد نحوه لكن يقال للمكان الذي اختص بالرصد قال تعالى:"إن جهنم كانت مرصادا"تنبيها على أن عليها مجاز الناس ، وعلى هذا قوله تعالى:"و إن منكم إلا واردها"انتهى.

قوله تعالى:"للطاغين مآبا"الطاغون الملتبسون بالطغيان وهو الخروج عن الحد ، والمآب اسم مكان من الأوب بمعنى الرجوع ، والعناية في عدها مآبا للطاغين أنهم هيئوها مأوى لأنفسهم وهم في الدنيا ثم إذا انقطعوا عن الدنيا آبوا ورجعوا إليها.

قوله تعالى:"لابثين فيها أحقابا"الأحقاب الأزمنة الكثيرة والدهور الطويلة من غير تحديد.

وهو جمع اختلفوا في واحده فقيل: واحده حقب بالضم فالسكون أو بضمتين ، وقد وقع في قوله تعالى:"أو أمضي حقبا": الكهف: 60 ، وقيل: حقب بالفتح فالسكون وواحد الحقب حقبة بالكسر فالسكون قال الراغب: والحق أن الحقبة مدة من الزمان مبهمة.

انتهى.

وحد بعضهم الحقب بثمانين سنة أو ببضع وثمانين سنة وزاد آخرون أن السنة منها ثلاثمائة وستون يوما كل يوم يعدل ألف سنة ، وعن بعضهم أن الحقب أربعون سنة وعن آخرين أنه سبعون ألف سنة إلى غير ذلك ولا دليل من الكتاب يدل على شيء من هذه التحديدات ولم يثبت من اللغة شيء منها.

وظاهر الآية أن المراد بالطاغين المعاندون من الكفار ويؤيده قوله ذيلا:"إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا".

وقد فسروا"أحقابا"في الآية بالحقب بعد الحقب فالمعنى حال كون الطاغين لابثين في جهنم حقبا بعد حقب بلا تحديد ولا نهاية فلا تنافي الآية ما نص عليه القرآن من خلود الكفار في النار.

وقيل: إن قوله:"لا يذوقون فيها"إلخ صفة"أحقابا"والمعنى لابثين فيها أحقابا هي على هذه الصفة وهي أنهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يكونون على غير هذه الصفة إلى غير النهاية.

وهو حسن لو ساعد السياق.

قوله تعالى:"لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا"ظاهر المقابلة بين البرد والشراب أن المراد بالبرد مطلق ما يتبرد به غير الشراب كالظل الذي يستراح إليه بالاستظلال فالمراد بالذوق مطلق النيل والمس.

قوله تعالى:"إلا حميما وغساقا"الحميم الماء الحار شديد الحر ، والغساق صديد أهل النار.

قوله تعالى:"جزاء وفاقا - إلى قوله - كتابا"المصدر بمعنى اسم الفاعل والمعنى يجزون جزاء موافقا لما عملوا أو بتقدير مضاف أي جزاء ذا وفاق أو إطلاق الوفاق على الجزاء للمبالغة كزيد عدل.

وقوله:"إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا"أي تكذيبا عجيبا يصرون عليه ، تعليل يوضح موافقة جزائهم لعملهم ، وذلك أنهم لم يرجوا الحساب يوم الفصل فأيسوا من الحياة الآخرة وكذبوا بالآيات الدالة عليها فأنكروا التوحيد والنبوة وتعدوا في أعمالهم طور العبودية فنسوا الله تعالى فنسيهم وحرم عليهم سعادة الدار الآخرة فلم يبق لهم إلا الشقاء ولا يجدون فيها إلا ما يكرهون ، ولا يواجهون إلا ما يتعذبون به وهو قوله:"فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا".

وفي الآية أعني قوله:"جزاء وفاقا"دلالة على المطابقة التامة بين الجزاء والعمل فالإنسان لا يريد بعمله إلا الجزاء الذي بإزائه والتلبس بالجزاء تلبس بالعمل بالحقيقة قال تعالى:"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت