فهرس الكتاب

الصفحة 4203 من 4314

قوله تعالى:"فلينظر الإنسان إلى طعامه"متفرع على ما تقدم تفرع التفصيل على الإجمال ففيه توجيه نظر الإنسان إلى طعامه الذي يقتات به ويستمد منه لبقائه وهو واحد مما لا يحصى مما هيأه التدبير الربوبي لرفع حوائجه في الحياة حتى يتأمله فيشاهد سعة التدبير الربوبي التي تدهش لبه وتحير عقله ، وتعلق العناية الإلهية - على دقتها وإحاطتها - بصلاح حاله واستقامة أمره.

والمراد بالإنسان - كما قيل - غير الإنسان المتقدم المذكور في قوله:"قتل الإنسان ما أكفره"فإن المراد به خصوص الإنسان المبالغ في الكفر بخلاف الإنسان المذكور في هذه الآية المأمور بالنظر فإنه عام شامل لكل إنسان ، ولذلك أظهر ولم يضمر.

قوله تعالى:"إنا صببنا الماء صبا - إلى قوله - ولأنعامكم"القراءة الدائرة"أنا"بفتح الهمزة وهو بيان تفصيلي لتدبيره تعالى طعام الإنسان نعم هو مرحلة ابتدائية من التفصيل وأما القول المستوفى لبيان خصوصيات النظام الذي هيأ له هذه الأمور والنظام الوسيع الجاري في كل من هذه الأمور والروابط الكونية التي بين كل واحد منها وبين الإنسان فمما لا يسعه نطاق البيان عادة.

وبالجملة قوله:"إنا صببنا الماء صبا"الصب إراقة الماء من العلو ، والمراد بصب الماء إنزال الأمطار على الأرض لإنبات النبات ، ولا يبعد أن يشمل إجراء العيون والأنهار فإن ما في بطن الأرض من ذخائر الماء إنما يتكون من الأمطار.

وقوله:"ثم شققنا الأرض شقا"ظاهره شق الأرض بالنبات الخارج منها ولذا عطف على صب الماء بثم وعطف عليه إنبات الحب بالفاء.

وقوله:"فأنبتنا فيها حبا"ضمير"فيها"للأرض ، والمراد بالحب جنس الحب الذي يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير ونحوهما وكذا في العنب والقضب وغيرهما.

وقوله:"و عنبا وقضبا"العنب معروف ، ويطلق على شجر الكرم ولعله المراد في الآية ونظيره الزيتون.

والقضب هو الغض الرطب من البقول الذي يأكله الإنسان يقضب أي يقطع مرة بعد أخرى ، وقيل: هو ما يقطع من النبات فتعلف به الدواب.

وقوله:"و زيتونا ونخلا"معروفان.

وقوله:"و حدائق غلبا"الحدائق جمع حديقة وهي على ما فسر البستان المحوط والغلب جمع غلباء يقال: شجرة غلباء أي عظيمة غليظة فالحدائق الغلب البساتين المشتملة على أشجار عظام غلاظ.

وقوله:"و فاكهة وأبا"قيل: الفاكهة مطلق الثمار ، وقيل: ما عدا العنب والرمان.

قيل: إن ذكر ما يدخل في الفاكهة أولا كالزيتون والنخل للاعتناء بشأنه والأب الكلاء والمرعى.

وقوله:"متاعا لكم ولأنعامكم"مفعول له أي أنبتنا ما أنبتنا مما تطعمونه ليكون تمتيعا لكم وللأنعام التي خصصتموها بأنفسكم.

والالتفات عن الغيبة إلى الخطاب في الآية لتأكيد الامتنان بالتدبير أو بإنعام النعمة.

قوله تعالى:"فإذا جاءت الصاخة"إشارة إلى ما ينتهي إليه ما ذكر من التدبير العام الربوبي للإنسان بما أن فيه أمرا ربوبيا إلهيا بالعبودية يقضيه الإنسان أولا يقضيه وهو يوم القيامة الذي يوفى فيه الإنسان جزاء أعماله.

والصاخة: الصيحة الشديدة التي تصم الأسماع من شدتها ، والمراد بها نفخة الصور.

قوله تعالى:"يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه"إشارة إلى شدة اليوم فالذين عدوا من أقرباء الإنسان وأخصائه هم الذين كان يأوي إليهم ويأنس بهم ويتخذهم أعضادا وأنصارا يلوذ بهم في الدنيا لكنه يفر منهم يوم القيامة لما أن الشدة أحاطت به بحيث لا تدعه يشتغل بغيره ويعتني بما سواه كائنا من كان فالبلبلة إذا عظمت واشتدت وأطلت على الإنسان جذبته إلى نفسها وصرفته عن كل شيء.

والدليل على هذا المعنى قوله بعد:"لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه"أي يكفيه من أن يشتغل بغيره.

وقيل: في سبب فرار الإنسان من أقربائه وأخصائه يومئذ وجوه أخر لا دليل عليها أغمضنا عن إيرادها.

قوله تعالى:"وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة"بيان لانقسام الناس يومئذ إلى قسمين: أهل السعادة وأهل الشقاء ، وإشارة إلى أنهم يعرفون بسيماهم في وجوههم وإسفار الوجه إشراقه وإضاءته فرحا وسرورا واستبشاره تهلله بمشاهدة ما فيه البشرى.

قوله تعالى:"و وجوه يومئذ عليها غبرة"هي الغبار والكدورة وهي سيماء الهم والغم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت