فهرس الكتاب

الصفحة 4212 من 4314

و قد علق الغرور بصفتي ربوبيته وكرمه تعالى ليكون ذلك حجة في توجه العتاب والتوبيخ فإن تمرد المربوب وتوغله في معصية ربه الذي يدبر أمره ويغشيه نعمه ظاهرة وباطنة كفران لا ترتاب الفطرة السليمة في قبحه ولا في استحقاق العقاب عليه وخاصة إذا كان الرب المنعم كريما لا يريد في نعمه وعطاياه نفعا ينتفع به ولا عضوا يقابله به المنعم عليه ، ويسامح في إحسانه ويصفح عما يأتي به المربوب من الخطيئة والإثم بجهالة فإن الكفران حينئذ أقبح وأقبح وتوجه الذم واللائمة أشد وأوضح.

فقوله تعالى:"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم"استفهام توبيخي يوبخ الإنسان بكفران خاص لا عذر له يعتذر به عنه وهو كفران نعمة رب كريم.

وليس للإنسان أن يجيب فيقول: أي رب غرني كرمك فقد قضى الله سبحانه فيما قضى وبلغه بلسان أنبيائه:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7 ، وقال:"فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى": النازعات: 39 ، إلى غير ذلك من الآيات الناصة في أن لا مخلص للمعاندين من العذاب وأن الكرم لا يشملهم يوم القيامة قال:"و رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون": الأعراف: 156 ولو كفى الإنسان العاصي قوله:"غرني كرمك"لصرف العذاب عن الكافر المعاند كما يصرفه عن المؤمن العاصي ، ولا عذر بعد البيان.

ومن هنا يظهر أن لا محل لقول بعضهم: إن توصيف الرب بالكريم من قبيل تلقين الحجة وهو من الكرم أيضا.

كيف؟ والسياق سياق الوعيد والكلام ينتهي إلى مثل قوله:"و إن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين".

وقوله:"الذي خلقك فسواك فعدلك"بيان لربوبيته المتلبسة بالكرم فإن من تدبيره خلق الإنسان بجمع أجزاء وجوده ثم تسويته بوضع كل عضو فيما يناسبه من الموضع على ما يقتضيه الحكمة ثم عدله بعدل بعض أعضائه وقواه ببعض بجعل التوازن والتعادل بينها فما يضعف عنه عضو يقوى عليه عضو فيتم به فعله كما أن الأكل مثلا بالالتقام وهو للفم ، ويضعف الفم عن قطع اللقمة ونهشها وطحنها فيتم ذلك بمختلف الأسنان ، ويحتاج ذلك إلى نقل اللقمة من جانب من الفم إلى آخر وقلبها من حال إلى حال فجعل ذلك للسان ثم الفم يحتاج في فعل الأكل إلى وضع الغذاء فيه فتوصل إلى ذلك باليد وتمم عملها بالكف وعملها بالأصابع على اختلاف منافعها وعملها بالأنامل ، وتحتاج اليد في الأخذ والوضع إلى الانتقال المكاني نحو الغذاء وعدل ذلك بالرجل.

وعلى هذا القياس في أعمال سائر الجوارح والقوى وهي ألوف وألوف لا يحصيها العد ، والكل من تدبيره تعالى وهو المفيض لها من غير أن يريد بذلك انتفاعا لنفسه ومن غير أن يمنعه من إفاضتها ما يقابله به الإنسان من نسيان الشكر وكفران النعمة فهو تعالى ربه الكريم.

وقوله:"في أي صورة ما شاء ركبك"بيان لقوله:"عدلك"ولذا لم يعطف على ما تقدمه والصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز به الشيء من غيره و"ما"زائدة للتأكيد.

والمعنى: في أي صورة شاء أن يركبك - ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة - ركبك من ذكر وأنثى وأبيض وأسود وطويل وقصير ووسيم ودميم وقوي وضعيف إلى غير ذلك وكذا الأعضاء المشتركة بين أفراد الإنسان المميزة لها من غيرها كاليدين والرجلين والعينين والرأس والبدن واستواء القامة ونحوها فكل ذلك من عدل بعض الأجزاء ببعض في التركيب قال تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم": التين: 4 والجميع ينتهي إلى تدبير الرب الكريم لا صنع للإنسان في شيء من ذلك.

قوله تعالى:"كلا بل تكذبون بالدين""كلا"ردع عن اغترار الإنسان بكرم الله وجعل ذلك ذريعة إلى الكفر والمعصية أي لا تغتروا فلا ينفعكم الاغترار.

وقوله:"بل تكذبون بالدين"أي بالجزاء.

إضراب عما يفهم من قوله:"ما غرك بربك الكريم"من غرور الإنسان بربه الكريم على اعتراف منه ولو بالقوة بالجزاء لقضاء الفطرة السليمة به.

فإذ عاتب الإنسان ووبخه على غروره بربه الكريم واجترائه على الكفران والمعصية من غير أن يخاف الجزاء أضرب عنه مخاطبا للإنسان وكل من يشاركه في كفره ومعصيته فقال: بل أنت ومن حاله حالك تكذبون بيوم الدين والجزاء فتجحدونه ملحين عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت