فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 4314

و هذه الآية كما ترى قريبة الانطباق على قوله تعالى:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما:"الفتح - 4 ، فالسكينة في هذه الآية تنطبق على الروح في الآية السابقة وازدياد الإيمان على الإيمان في هذه على كتابة الإيمان في تلك ، ويؤيد هذا التطبيق قوله تعالى في ذيل الآية: ولله جنود السموات والأرض ، فإن القرآن يطلق الجند على مثل الملائكة والروح.

ويقرب من هذه الآية سياقا قوله تعالى:"فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها:"الفتح - 26 ، وكذا قوله تعالى:"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:"التوبة - 40.

وقد ظهر مما مر أنه يمكن أن يستفاد من كلامه تعالى أن السكينة روح إلهي أو تستلزم روحا إلهيا من أمر الله تعالى يوجب سكينة القلب واستقرار النفس وربط الجأش ، ومن المعلوم أن ذلك لا يوجب خروج الكلام عن معناه الظاهر واستعمال السكينة التي هي بمعنى سكون القلب وعدم اضطرابه في الروح الإلهي ، وبهذا المعنى ينبغي أن يوجه ما سيأتي من الروايات.

قوله تعالى: وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة"إلخ"، آل الرجل خاصته من أهله ويدخل فيهم نفسه إذا أطلق ، فآل موسى وآل هارون هم موسى وهارون وخاصتهما من أهلهما ، وقوله: تحمله الملائكة ، حال عن التابوت ، وفي قوله تعالى: إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، كسياق صدر الآية دلالة على أنهم سألوا نبيهم آية على صدق ما أخبر به: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا.

قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر إلى قوله منهم ، الفصل هاهنا مفارقة المكان كما في قوله تعالى:"فلما فصلت العير:"يوسف - 94 ، وربما استعمل بمعنى القطع وهو إيجاد المفارقة بين الشيئين كما قال تعالى:"و هو خير الفاصلين": الأنعام - 57 ، فالكلمة مما يتعدى ولا يتعدى.

والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جندا لتراكم الأشخاص فيه وغلظتهم ، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتنى به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس ، ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود.

وفي مجموع الكلام إشارة إلى حق الأمر في شأن بني إسرائيل وإيفائهم بميثاق الله ، فإنهم سألوا بعث الملك جميعا وشدوا الميثاق ، وقد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إلا قليلا منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنودا وهذه الجنود ، أيضا لم تغن عنهم شيئا بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إلا القليل من القليل مع شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين ، ومع ذلك كان النصر للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة.

والابتلاء الامتحان ، والنهر مجرى الماء الفائض ، والاغتراف والغرف رفع الشيء وتناوله ، يقال: غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله ويشربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت