فهرس الكتاب

الصفحة 4254 من 4314

و التقوى - على ما ذكره الراغب - جعل النفس في وقاية مما يخاف ، والمراد بها بقرينة المقابلة في الآية بينها وبين الفجور التجنب عن الفجور والتحرز عن المنافي وقد فسرت في الرواية بأنها الورع عن محارم الله.

والإلهام الإلقاء في الروع وهو إفاضته تعالى الصور العملية من تصور أو تصديق على النفس.

وتعليق الإلهام على عنواني فجور النفس وتقواها للدلالة على أن المراد تعريفه تعالى للإنسان صفة فعله من تقوى أو فجور وراء تعريفه متن الفعل بعنوانه الأولي المشترك بين التقوى والفجور كأكل المال مثلا المشترك بين أكل مال اليتيم الذي هو فجور وبين أكل مال نفسه الذي هو من التقوى ، والمباشرة المشتركة بين الزنا وهو فجور والنكاح وهو من التقوى وبالجملة المراد أنه تعالى عرف الإنسان كون ما يأتي به من فعل فجورا أو تقوى وميز له ما هو تقوى مما هو فجور.

وتفريع الإلهام على التسوية في قوله:"و ما سواها فألهمها"إلخ للإشارة إلى أن إلهام الفجور والتقوى وهو العقل العملي من تكميل تسوية النفس فهو من نعوت خلقتها كما قال تعالى:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30.

وإضافة الفجور والتقوى إلى ضمير النفس للإشارة إلى أن المراد بالفجور والتقوى الملهمين الفجور والتقوى المختصين بهذه النفس المذكورة وهي النفس الإنسانية ونفوس الجن على ما يظهر من الكتاب العزيز من كونهم مكلفين بالإيمان والعمل الصالح.

قوله تعالى:"قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"الفلاح هو الظفر بالمطلوب وإدراك البغية ، والخيبة خلافه ، والزكاة نمو النبات نموا صالحا ذا بركة والتزكية إنماؤه كذلك ، والتدسي - وهو من الدس بقلب إحدى السينين ياء - إدخال الشيء في الشيء بضرب من الإخفاء ، والمراد بها بقرينة مقابله التزكية: الإنماء على غير ما يقتضيه طبعها وركبت عليه نفسها.

والآية أعني قوله:"قد أفلح"إلخ جواب القسم ، وقوله:"و قد خاب"إلخ معطوف عليه.

والتعبير بالتزكية والتدسي عن إصلاح النفس وإفسادها مبتن على ما يدل عليه قوله:"فألهمها فجورها وتقواها"على أن من كمال النفس الإنسانية أنها ملهمة مميزة - بحسب فطرتها - للفجور من التقوى أي إن الدين وهو الإسلام لله فيما يريده فطري للنفس فتحلية النفس بالتقوى تزكية وإنماء صالح وتزويد لها بما يمدها في بقائها قال تعالى:"و تزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب": البقرة: 197 وأمرها في الفجور على خلاف التقوى.

قوله تعالى:"كذبت ثمود بطغواها"الطغوى مصدر كالطغيان ، والباء للسببية.

والآية وما يتلوها إلى آخر السورة استشهاد وتقرير لما تقدم من قوله"قد أفلح من زكاها"إلخ.

قوله تعالى:"إذ انبعث أشقاها"ظرف لقوله:"كذبت"أو لقوله:"بطغواها"والمراد بأشقى ثمود هو الذي عقر الناقة واسمه على ما في الروايات قدار بن سالف وقد كان انبعاثه ببعث القوم كما تدل عليه الآيات التالية بما فيها من ضمائر الجمع.

قوله تعالى:"فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها"المراد برسول الله صالح (عليه السلام) نبي ثمود ، وقوله:"ناقة الله"منصوب على التحذير ، وقوله:"و سقياها"معطوف عليه.

والمعنى فقال لهم صالح برسالة من الله: احذروا ناقة الله وسقياها ولا تتعرضوا لها بقتلها أو منعها عن نوبتها في شرب الماء ، وقد فصل الله القصة في سورة هود وغيرها.

قوله تعالى:"فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها"العقر إصابة أصل الشيء ويطلق على نحر البعير والقتل ، والدمدمة على الشيء الإطباق عليه يقال: دمدم عليه القبر أي أطبقه عليه والمراد شمولهم بعذاب يقطع دابرهم ويمحو أثرهم بسبب ذنبهم.

وقوله:"فسواها"الظاهر أن الضمير لثمود باعتبار أنهم قبيلة أي فسواها بالأرض أو هو تسوية الأرض بمعنى تسطيحها وإعفاء ما فيها من ارتفاع وانخفاض.

وقيل: الضمير للدمدمة المفهومة من قوله:"فدمدم"والمعنى فسوى الدمدمة بينهم فلم يفلت منهم قوي ولا ضعيف ولا كبير ولا صغير.

قوله تعالى:"و لا يخاف عقباها"الضمير للدمدمة أو التسوية ، والواو للاستئناف أو الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت