قوله تعالى:"و أما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى"البخل مقابل الإعطاء ، والاستغناء طلب الغنى والثروة بالإمساك والجمع ، والمراد بالتكذيب بالحسنى الكفر بالعدة الحسنى وثواب الله الذي بلغه الأنبياء والرسل ويرجع إلى إنكار البعث.
والمراد بتيسيره للعسرى خذلانه بعدم توفيقه للأعمال الصالحة ، بتثقيلها عليه وعدم شرح صدره للإيمان أو إعداده للعذاب.
وقوله:"و ما يغني عنه ماله إذا تردى"التردي هو السقوط من مكان عال ويطلق على الهلاك فالمراد سقوطه في حفرة القبر أو في جهنم أو هلاكه.
و"ما"استفهامية أو نافية أي أي شيء يغنيه ماله إذا مات وهلك أو ليس يغني عنه ماله إذا مات وهلك.
قوله تعالى:"إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى"تعليل لما تقدم من حديث تيسيره لليسرى وللعسرى أو الإخبار به بأوجز بيان ، محصله أنا إنما نفعل هذا التيسير أو نبين هذا البيان لأنه من الهدى والهدى علينا لا يزاحمنا في ذلك شيء ولا يمنعنا عنه مانع.
فقوله:"إن علينا للهدى"يفيد أن هدى الناس مما قضى سبحانه به وأوجبه على نفسه بمقتضى الحكمة وذلك أنه خلقهم ليعبدوه كما قال:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون": الذاريات: 56 فجعل عبادته غاية لخلقهم وجعلها صراطا مستقيما إليه كما قال:"إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم": آل عمران: 51 ، وقال:"و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله": الشورى: 53 وقضى على نفسه أن يبين لهم سبيله ويهديهم إليه بمعنى إراءة الطريق سواء سلكوها أم تركوها كما قال:"و على الله قصد السبيل ومنها جائر": النحل: 9 ، وقال:"و الله يقول الحق وهو يهدي السبيل": الأحزاب: 4 وقال:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الإنسان: 3 ولا ينافي ذلك قيام غيره تعالى بأمر هذا المعنى من الهدى بإذنه كالأنبياء كما قال تعالى:"و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم": الشورى: 52 ، وقال:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني": يوسف: 108.
وقد تقدم لهذه المسألة بيان عقلي في مباحث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب.
هذا في الهداية بمعنى إراءة الطريق وأما الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب - والمطلوب في المقام الآثار الحسنة التي تترتب على الاهتداء بهدى الله والتلبس بالعبودية كالحياة الطيبة المعجلة في الدنيا والحياة السعيدة الأبدية في الآخرة - فمن البين أنه من قبيل الصنع والإيجاد الذي يختص به تعالى فهو مما قضى به الله وأوجبه على نفسه وسجله بوعده الحق قال تعالى:"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى": طه: 123 ، وقال:"و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون": النحل: 97 ، وقال:"و الذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا": النساء: 122.
ولا ينافي انتساب هذا المعنى من الهداية إليه تعالى بنحو الأصالة انتسابه إلى غيره تعالى بنحو التبع بتخلل الأسباب بينه تعالى وبين ما ينسب إليه من الأثر بإذنه.
ومعنى الآية - إن كان المراد بالهدى إراءة الطريق - أنا إنما نبين لكم ما نبين لأنه من إراءة طريق العبودية وإراءة الطريق علينا ، وإن كان المراد به الإيصال إلى المطلوب أنا إنما نيسر هؤلاء لليسرى من الأعمال الصالحة أو من الحياة السهلة الأبدية ودخول الجنة لأنه من إيصال الأشياء إلى غاياتها وعلينا ذلك.
وأما التيسير للعسرى فهو مما يتوقف عليه التيسير لليسرى"ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم": الأنفال: 37 وقد قال سبحانه في القرآن الذي هو هدى للعالمين:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": إسراء: 82.
ويمكن أن يكون المراد به مطلق الهداية أعم من الهداية التكوينية الحقيقية والتشريعية الاعتبارية - على ما هو ظاهر إطلاق اللفظ - فله تعالى الهداية الحقيقية كما قال:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، والهداية الاعتبارية كما قال:"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا": الإنسان: 3.